إن كنت لم تأتك أنباؤنا ... فاسأل بنا يا أيها السائل
سائل بنا حجرًا، غداة الوغى ... يوم يؤتى جمعه الحافل
يوم لقوا سعدًا على مأقط ... وحاولت من خلفه كاهل
فأوردوا سربًا له ذبلًا ... كأنهن اللهب الشاعل
ومضى امرؤ القيس إلى اليمن لما لم يكن به قوة على بني أسد ومن معهم من قيس، فأقام زمانًا، وكان يدمن مع ندامى له، فأشرف يومًا، فإذا براكب مقبل، فسأله من أين أقبلت؟ قال: من نجد! فسقاه مما كان يشرب، فلما أخذت منه الخمرة رفع عقيرته، وقال:
سقينا امرأ القيس بن حجر بن حارثٍ ... كؤوس الشجا حتى تعود بالقهر
وألهاه شرب ناعمٍ وقراقرٍ ... وأعياه ثأر كان يطلب في حجر
وذاك لعمري كان أسهل مشرعًا ... عليه من البيض الصوارم والسمر
ففزع امرؤ القيس لذلك، ثم قال: يا أخا أهل الحجاز! من قائل هذا الشعر؟ قال: عبيد بن الأبرص. قال: صدقت! ثم ركب، واستنجد قومه، فأمدوه بخمسمائة من مذحج، فخرج إلى أرض معد، فأوقع بقبائل من معد، وقتل الأشقر بن عمرو، وهو سيد بني أسد، وشرب في قحف رأسه، وقال امرؤ القيس في شعر له:
قولا لدودان: عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل
يا أيها السائل عن شأننا ... ليس الذي يعلم كالجاهل
حلت لي الخمر، وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل
وطلب قبائل معد امرأ القيس، وذهب من كان معه، وبلغه أن المنذر ملك الحيرة قد نذر دمه، فأراد الرجوع إلى اليمن، فخاف حضرموت، وطلبته بنو أسد وقبائل معد، فلما علم أنه لا قوة به على طلب المنذر واجتماع قبائل معد على طلبه، ولم يمكنه الرجوع، سار إلى سعد بن الضباب الإيادي، وكان عاملًا لكسرى على بعض كور العراق، فاستتر عنده حينًا، حتى مات سعد بن الضباب، فلما مات سعد خرج امرؤ القيس إلى جبلي طي، فلقي طريف بن الطائي، فسأله أن يجيره، فقال: والله ما لي من الجبلين إلا موضع ناري! فنزل بقوم من طيء ثم لم يزل ينتقل في طيء مرة، وفي جديلة مرة وفي نبهان مرة، حتى صار إلى تيماء، فنزل بالسموأل بن عادياء، فسأله أن يجيره، فقال له: أنا لا أجير على الملوك، ولا أطيق حربهم، فأودعه أدراعًا، وانصرف عنه يريد ملك الروم حتى صار إلى قيصر ملك الروم، فاستنصره، فوجه معه تسعمائة من أبناء البطارقة.
وكان امرؤ القيس قد مدح قيصر فسار الطماح الأسدي إلى قيصر فقال له: إن امرأ القيس شتمك في شعره وزعم أنك علج اغلف، فوجه قيصر إلى امرىء القيس بحلة قد نضح فيها السم، فلما ألبسها تقطع جلده وأيقن بالموت فقال:
تأوبني دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يزداد دائي، فانكسا
لقد طمح الطماح، من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
وهذه الأبيات في قصيدة له طويلة. وقال أيضًا في حاله تلك:
ألا أبلغ بني حجر بن عمرو ... وأبلغ ذلك الحي الحريدا
بأني قد بقيت بقاء نفس ... ولم أخلق سلامًا أو حديدًا
ولو أني هلكت بأرض قومي ... لقلت الموت حق لا خلودا
ولكني هلكت بأرض قومٍ ... سحيقًا، من دياركم، بعيدا
بأرض الشأم لا نسب قريب ... ولا شاف فيسعف أو يجودا
ومات امرؤ القيس بأنقرة من أرض الروم.
وإنما أخرنا خبر إسماعيل وولده، وختمنا بهم أخبار الأمم، لأن الله، عز وجل، ختم بهم النبوة والملك، واتصل خبرهم بخبر رسول الله والخلفاء.
ذكرت الرواة والعلماء: أن إسماعيل بن إبراهيم أول من نطق بالعربية، وعمر بيت الله الحرام بعد أبيه إبراهيم، وقام بالمناسك، وأنه كان أول من ركب الخيل العتاق، وكانت قبل ذلك وحوشًا لا تركب.