فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 319

وتوالت على قريش سنون مجدبة حتى ذهب الزرع وقحل الضرع، ففزعوا وقالوا: قد سقانا الله بك مرة بعد أخرى فادع الله أن يسقينا، وسمعوا صوتًا ينادي من بعض جبال مكة: معشر قريش أن النبي الأمي منكم، وهذا أوان توكفه، ألا فانظروا منكم رجلًا عظامًا جسامًا له سن يدعو إليه وشرف يعظم عليه فليخرج هو وولده ليمسوا من الماء ويلتمسوا من الطيب ويستلموا الركن، وليدع الرجل وليؤمن القوم فخصبتم ما شئتم إذا وغثتم، فلم يبق أحد بمكة إلا قال: هذا شيبة الحمد، هذا شيبة الحمد. فخرج عبد المطلب ومعه رسول الله، وهو يومئذ مشدود الإزار، فقال عبد المطلب: اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، مسؤول غير مبخل، وهؤلاء عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنيهم التي أقحلت الضرع وأذهبت الزرع، فاسمعن اللهم وأمطرن غيثا مريعا مغدقا. فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجه، وفي ذلك يقول بعض قريش:

بشيبة الحمد أسقي الله بلدتنا ... وقد فقدنا الكري واجلوذ المطر

منًا من الله بالميمون طائره ... وخير من بشرت يومًا به مضر

مبارك الأمر يستسقي الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر

وأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة وإلى أبي طالب برسول الله وسقاية زمزم، وقال له: قد خلفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب العرب. وقال لأبي طالب:

أوصيك يا عبد مناف بعدي ... بمفرد بعد أبيه فرد

فارقه وهو ضجيع المهد ... فكنت كالأم له في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد ... فأنت من أرجى بني عندي

لدفع ضيم أو لشد عقد

وتوفي عبد المطلب ولرسول الله ثماني سنين ولعبد المطلب مائة وعشرون سنة، وقيل مائة وأربعون سنة. وأعظمت قريش موته، وغسل بالماء والسدر. وكانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر، ولف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال ذهب، وطرح عليه المسك حتى ستره، وحمل على أيدي الرجال عدة أيام إعظامًا وإكرامًا وإكبارًا لتغييبه في التراب. واحتبى ابنه بفناء الكعبة لما غيب عبد المطلب واحتبى ابن جدعان التيمي من ناحية والوليد بن ربيعة المخزومي فادعى كل واحد الرئاسة.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أن الله يبعث جدي عبد المطلب أمه واحدة في هيئة الأنبياء وزي الملوك فكفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عبد المطلب أبو طالب عمه، فكان خير كافل. وكان أبو طالب سيدًا شريفًا مطاعًا مهيبًا مع إملاقه.

قال علي بن أبي طالب: أبي ساد فقيرا، وما ساد فقير قبله. وخرج به إلى بصرى من أرض الشام وهو ابن تسع سنين، وقال: والله! لا أكلك إلى غيري. وربته فاطمة بنت أسد بن هاشم امرأة أبي طالب وأم أولاده جميعًا. ويروي عن رسول الله لما توفيت، وكانت مسلمة فاضلة، أنه قال: اليوم ماتت أمي، وكفنها بقميصه ونزل على قبرها واضطجع في لحدها. فقيل له: يا رسول الله لقد اشتد جزعك على فاطمة. قال: إنها كانت أمي، أن كانت لتجيع صبيانها وتشبعني وتشعثهم وتدهنني، وكانت أمي.

ولما بلغ العشرين ظهرت فيه العلامات وجعل أصحاب الكتب يقولون فيه ويتذاكرون أمره ويتوصفون حاله ويقربون ظهوره، فقال يومًا لأبي طالب: يا عم إني أرى في المنام رجلًا يأتيني ومعه رجلًان فيقولان: هو هو، وإذا بلغ فشأنك به والرجل لا يتكلم. فوصف أبو طالب ما قال لبعض من كان بمكة من أهل العلم. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذه الروح الطيبة! هذا والله النبي المطهر. فقال له أبو طالب: فاكتم على ابن أخي لا تغر به قومه، فوالله إنما قلت لعلي ما قلت، ولقد أنبأني أبي عبد المطلب بأنه النبي المبعوث وأمرني أن أستر ذلك لئلا يغري به الأعادي.

وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجار وله سبع عشرة سنة، وقيل عشرون سنة، وكان سبب الفجار، وهي الحرب التي كانت بين كنانة وقيس، أن رجلًا من بني ضمرة يقال له البراض بن قيس، كان بمكة في جوار حرب بن أمية، وثب على رجل من هذيل يقال له الحارث فقتله. وأخرجه حرب بن أمية من جواره فلحق بالنعمان بن المنذر، فاجتمع هو وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت