فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 319

ووثب الهيصم بن عبد المجيد الهمداني باليمن سنة 179، وغلب عليها، فكان معقلة بجبل يقال له مسور، وكان معه عمر بن أبي خالد الحميري مقيما بعشتان، وكان معه الصباح بناحية يقال لها حراز، فلقوا حمادًا البربري فكانت بينهما وقائع قتل فيها نيف وعشرون ألفًا من الناس، وأسر حماد عمر بن أبي خالد فوجه به إلى الرشيد واتصلت الحرب بينه وبين الهيصم تسع سنين، ثم صار إلى حماد رجل من أهل البلد، فأعلمه أن الهيصم قد نزل من قلعته وصار إلى قرية من القرى متنكرا يتجسس الأخبار فوجه معه إلى تلك القرية بقائد يقال له حراد فأخذ الهيصم فقال الهيصم: والله إن القتل لشيء ما أنكره، وما خلقت الرجال إلا للموت والقتل. فحمله حماد على جمل، وأدخله إلى صنعاء، ثم وجه به إلى الرشيد فأنشده في شعر طويل:

فشفاء ما لا تشتهي ... ه النفس تعجيل الفراق

فدعا بالهيصم فأمر بضرب عنقه، وانحرف حماد البربري إلى صباح فضرع صباح إلى الأمان فأعطاه الأمان وقيل: لم يعطه إياه، ولكنه أسره ووجه به إلى الرشيد مع ستمائة رجل من أصحاب الهيصم فضرب أعناقهم جميعًا، وصلب الهيصم وصباحا معا، وأقام حماد البربري على اليمن ثلاث عشرة سنة، وسام أهلها سوء العذاب، حتى صاح قوم منهم بالرشيد وهو بمكة: نحن نعوذ بالله وبك، يا أمير المؤمنين! اعزل عنا حمادًا البربري إن كنت تقدر. فقال: لا ولا كرامة.

وكان حماد عبدا لهارون فأعتقه في أول خلافته ثم عزل الرشيد حمادا واستعمل مكانه عبد الله بن مالك فلم يزل في البلد محمود السيرة جميل المذهب حتى توفي هارون.

وتوفي موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه أم ولد، يقال لها حمدة سنة 183، وسنة ثمان وخمسون سنة وكان ببغداد في حبس الرشيد قبل السندي بن شاهك فأحضر مسرورًا الخادم وأحضر القواد والكتاب والهاشميين والقضاة ومن حضر ببغداد من الطالبيين، ثم كشف عن وجهه، فقال لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعرفه حق معرفته، هذا موسى بن جعفر. فقال هارون: أ ترون أن به أثرا وما يدل على اغتيال؟ قالوا: لا! ثم غسل وكفن وأخرج ودفن في مقابر قريش في الجانب الغربي.

وكان موسى بن جعفر من أشد الناس عبادة، وكان قد روى عن أبيه. قال الحسن بن أسد: سمعت موسى بن جعفر يقول: ما أهان الدنيا قوم قط إلا هناهم الله إياها وبارك لهم فيها، وما أعزها قوم قط إلا نغصهم الله إياها.

وقال: إن قومًا يصحبون السلطان يتخذهم المؤمنون كهوفًا، فهم الآمنون يوم القيامة إن كنت لأرى فلانًا منهم.

وذكر عنده بعض الجبابرة فقال: أما والله لئن عز بالظلم في الدنيا ليذلن بالعدل في الآخرة. وقيل لموسى بن جعفر وهو في الحبس: لو كتبت إلى فلان يكلم فيك الرشيد؟ فقال: حدثني أبي عن آبائه أن الله عز وجل أوحى إلى داود: يا داود! إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني عرفت ذلك منه إلا وقطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته.

وقال موسى بن جعفر: حدثني أبي أن موسى بن عمران قال: يا رب! أي عبادك شر؟ قال: الذي يتهمني. قال يا رب وفي عبادك من يتهمك؟ قال: نعم! الذي يستجيرني، ثم لا يرضى بقضائي. وكان له من الولد ثمانية عشر ذكرًا، وثلاث وعشرون بنتًا، فالذكور: على الرضا وإبراهيم والعباس والقاسم، وإسماعيل وجعفر وهارون والحسن وأحمد ومحمد وعبيد الله وحمزة وزيد وعبد الله وإسحاق والحسين والفضل وسليمان وأوصى موسى بن جعفر ألا تتزوج بناته فلم تتزوج واحدة منهن إلا أم سلمة، فإنها تزوجت بمصر، تزوجها القاسم ابن محمد بن جعفر بن محمد فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد، حتى حلف أنه ما كشف لها كنفا، وأنه ما أراد إلا أن يحج بها.

وبايع الرشيد لابنه المأمون بعد محمد بولاية العهد في هذه السنة، وهي سنة 183، وأخذت له البيعة على الناس كلهم حتى أهل الأسواق، فكان بين البيعة للمأمون والبيعة لمحمد ثماني سنين، وكان يبعث بالمأمون وبمحمد إلى الفقهاء والمحدثين فيسمعان منهم، ويحضر لهما أهل الكلام والنظر فكان محمد بطيء الحفظ، وكان المأمون سريع الحفظ.

وأخذ الرشيد العمال والتناة والدهاقين وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات والمقبلين وكان عليهم أموال مجتمعة، فولى مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن سام فطالبهم بصنوف من العذاب، وكان سنة 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت