فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 319

وفي الليلة التي أسري به افتقده أبو طالب فخاف أن تكون قريش قد اغتالته أو قتلته، فجمع سبعين رجلًا من بني عبد المطلب معهم الشفار وأمرهم أن يجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش، وقال لهم: أن رأيتموني ومحمدا معي فأمسكوا حتى آتيكم وإلا فليقتل كل رجل منكم جليسه ولا تنتظروني. فوجدوه على باب أم هانئ، فأتي به بين يديه حتى وقف على قريش فعرفهم ما كان منه فأعظموا ذلك وجل في صدورهم وعاهدوه وعاقدوه انهم لا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكون منهم إليه شيء يكرهه أبدًا.

وأمره الله، عز وجل، أن ينذر عشيرته الأقربين، فوقف على المروة ثم نادى بأعلى صوته: يا آل فهر، فاجتمعت إليه بطون قريش حتى لم يبق أحد منهم. فقال له أبو لهب: هذه فهر. ثم نادى: يا آل غالب فانصرفت بنو محارب وبنو الحارث بن فهر ثم نادى يا آل لؤي، فانصرفت بنو تيم الأدرم بن غالب. ثم نادى: يا آل كعب، فانصرفت بنو عامر وبنو عوف بن لؤي. ثم نادى: يا آل مرة، فانصرفت بنو عدي بن كعب وبنو سهم وجمح ابني هصيص بن كعب. ثم نادى: يا آل كلاب، فانصرفت بنو تيم ابن مرة وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة. ثم نادى: يا آل قصي، فانصرفت بنو زهرة. ثم نادى: يا آل عبد مناف، فانصرفت بنو عبد الدار وبنو عبد العزى ابني قصي. ثم نادى: يا آل هاشم، فانصرفت بنو عبد شمس وبنو نوفل. وأقام بنو عبد المطلب، فقال أبو لهب: هذه هاشم قد اجتمعت، فجمعهم في بعض دورهم. وحدثني أبو عبد الله الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي من ولد ربيعة بن الحارث انهم كانوا في دار الحارث بن عبد المطلب وكانوا أربعين رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه، فصنع لهم طعاما فأكلوا عشرة عشرة حتى شبعوا. وكان جميع طعامهم رجل شاة وشرابهم عس من لبن وأن منهم من يأكل الجذعة ويشرب الفرق. ثم أنذرهم كما أمره الله ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، وأعلمهم تفضيل الله إياهم واختصاصه لهم إذ بعثه بينهم وأمره أن ينذرهم. فقال أبو لهب: خذوا على يدي صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإن منعتموه قتلتم وأن تركتموه ذللتم. فقال أبو طالب: يا عورة والله لننصرنه ثم لنعيننه. يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح. وأسلم يومئذ جعفر بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث وأسلم خلق عظيم وظهر أمرهم وكثرت عدتهم وعاندوا ذوي أرحامهم من المشركين. فأخذت قريش من استضعفت منهم إلى الرجوع عن الإسلام والشتم لرسول الله، فكان ممن يعذب في الله عمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه حتى قتل أبو جهل سمية، طعنها في قبلها فماتت، فكانت أول شهيد في الإسلام، وخباب بن الأرت وصهيب بن سنان وأبو فكيهة الأزدي وعامر بن فهيرة وبلال بن رباح. وقال خباب بن الأرت: يا رسول الله ادع لنا. قال: إنكم لتعجلون، لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه، والله ليتممن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على عنزة. واشتد على القوم العذاب ونالهم منه أمر عظيم فرجع عن الإسلام خمسة نفر وهم: أبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن ألفًاكه بن المغيرة... فروي أن فيهم نزلت هذه الآية:"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"إلى آخر الآية.

ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمه إياه قال لهم: ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار. فخرج في المرة الأولى اثنا عشر رجلًا وفي المرة الثانية سبعون رجلًا سوى أبنائهم ونسائهم، وهم المهاجرون الأولون، فكان لهم عند النجاشي منزلة، وكان يرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت