عبيدة إلى المغرب وعمر إلى أرض المشرق فأكون قدمت يدي في سبيل الله، وليت أني ما بعثت خالد بن الوليد إلى بزاخة، ولكن خرجت فكنت ردا له في سبيل الله. والثلاث التي وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن: فلمن هذا الأمر، فلا ينازعه فيه، وهل للأنصار فيه من شيء، وعن العمة والخالة أتورثان أو لا ترثان، وإني ما أصبت من دنياكم بشيء، ولقد أقمت نفسي في مال الله وفيء المسلمين مقام الوصي في مال اليتيم إن استغنى تعفف، وإن افتقر أكل بالمعروف، وإن والي الأمر بعدي عمر بن الخطاب، وإني استسلفت من بيت المال مالًا، فإذا مت فليبع حائطي في موضع كذا وليرد إلى بيت المال.
وأوصى أبو بكر بغسله أسماء بنت عميس امرأته، فغسلته ودفن ليلًا، وورثه أبو قحافة السدس. وكان الغالب على أبي بكر عمر بن الخطاب، وكانت وفاته يوم الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة، ومن شهور العجم في آب، وقيل لليلتين بقيتا منه سنة ثلاثة عشر، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في البيت الذي فيه قبر رسول الله، وكان له يوم توفي ثلاث وستون سنة، وكان له من الولد الذكور ثلاثة توفي أحدهم في حياته، وهو عبد الله، وخلف اثنين محمدًا وعبد الرحمن، وكان حاجبه مولاه سديدا، وكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر، وحج بالناس سنة اثنا عشر.
وكان عمال أبي بكر لما توفي: عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، ورجلًا من الأنصار على اليمامة، وحذيفة بن محصن على عمان، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وخالد بن الوليد على جيش الشام، والمثنى بن حارثة الشيباني على الكوفة، وسويد بن قطبة على البصرة. صفة أبي بكر: وكان أبو بكر أبيض، نحيفًا، خفيف العارضين، أحنى، لا يستمسك إزاره على حقويه، معروق الوجه، غائر العينين، عاري الأشاجع، يخضب لحيته بالحناء والكتم.
وكان من يؤخذ عنه الفقه، في أيام أبي بكر، علي بن أبي طالب، وعمر ابن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن مسعود.
ثم استخلف عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، وقيل لسبع بقين منه سنة ثلاثة عشر، وكان ذلك من شهور العجم في آب، وكانت الشمس يومئذ في الأسد ست عشرة درجة، والقمر في العقرب أربعًا وعشرين درجة وعشر دقائق، وزحل في القوس ثلاثين درجة راجعًا، والمشتري في الحوت تسع درج وثلاثين دقيقة راجعا، والمريخ في الثور إحدى وعشرين درجة وخمسين دقيقة، والزهرة في الحوت تسع درجات، وعطارد في السنبلة عشر درجات وثلاثين دقيقة، والرأس في القوس اثنتي عشرة درجة وخمسًا وثلاثين دقيقة، فصعد المنبر، فجلس دون مجلس أبي بكر بمرقاة، وخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي، وذكر أبا بكر، وفضله، وترحم عليه، ثم قال: ما أنا إلا رجل منكم، ولو لا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله لما تقلدت أمركم. فأثنى الناس عليه خيرًا.
وكان أول ما عمل به عمر أن رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم، وقال: إني كرهت أن يصير السبي سنة على العرب، وكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح يخبره بوفاة أبي بكر مع يرفأ مولاه، وكتب بعقده وولايته الشام مكان خالد بن الوليد مع شداد بن أوس، وصير خالدًا موضع أبي عبيدة، وكان عمر سيء الرأي في خالد، على أنه ابن خاله، لقول كان قاله في عمر، وقد كان خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين فتحوا مرج الصفر من أرض دمشق، وحاصروا مدينة دمشق، قبل وفاة أبي بكر، بأربعة أيام، فستر أبو عبيدة الخبر عن خالد، حتى ورد كتاب ثان من عمر على أبي عبيدة يأمره أن يتوجه إلى حمص ونواحي الشام، فعلم بذلك خالدًا، فقال: رحم الله أبا بكر! لو كان حيا ما عزلني.
وكتب عمر إلى أبي عبيدة: إن كذب خالد نفسه فيما كان قاله عمله، وإلا فانزع عمامته وشاطره ماله. فشاور خالد أخته، فقالت: والله ما أراد ابن حنتمة إلا أن تكذب نفسك، ثم ينزعك من عملك، فلا تفعلن. فلم يكذب نفسه، فقام بلال فنزع عمامته وشاطره أبو عبيدة ماله، حتى نعله فأفرد واحدة عن الأخرى.