وكان الغالب على المعتصم أحمد بن أبي دواد الأيادي قاضي القضاة، والفضل ابن مروان الكاتب، ثم غضب على الفضل، فنفاه واستصفى ماله، فغلب عليه محمد بن عبد الملك الزيات، وكان على شرطة إسحاق بن إبراهيم، وعلى حرسه عجيف بن عنبسة، ثم الأفشين، ثم إسحاق بن يحيى بن معاذ وحجبه جماعة من الأتراك منهم: وصيف، وسيما الدمشقي، وسيما الشرابي، ومحمد بن حماد بن دنفيس، وتوفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 227، وصلى عليه ابنه هارون، ودفن في قصره المعروف بالجوسق، وكانت سنة 49 سنة وكانت ولايته ثماني سنين، وخلف من الولد الذكور ستة: هارون الواثق، وجعفر المتوكل، ومحمدًا، وأحمد، وعليًا، والعباس.
وولى هارون الواثق بالله بن أبي إسحاق، وأمه أم ولد، يقال لها قراطيس، يوم توفي المعتصم، وهو يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 227، وكان ذلك من شهور العجم في كانون الآخر، وكانت الشمس يومئذ في الجدي خمس عشرة درجة واثنتين وعشرين دقيقة.
وتوجه إسحاق بن إبراهيم ساعة بايع إلى بغداد، فسار ليلته أجمع، ووافى بغداد قبل أن يطلع الفجر، فوكل بالأطراف والسجون، وأحضر القواد والوجوه، فأخذ عليهم البيعة، ووثب عوام الجند والغوغاء بشعيب بن سهل قاضي الجانب الشرقي ببغداد، فانتهبوا داره، فوجه إسحاق جعفر معيشة، وإبراهيم الديرج، وجماعة معهما، فأخرجوا شعيب بن سهل، حتى صاروا به إلى دار إسحاق.
وأراد الواثق الحج في هذه السنة، وصحت عزيمته، فتأخر حجه، وأذن لأمه، فخرجت، ومعها جعفر بن المعتصم، فلما صارت بالكوفة توفيت، وأذن الواثق لأخيه جعفر في النفوذ، فنفذ وأقام الحج بالناس وكان أول من عقد له الواثق من قواده أشناس التركي ولاه من بابه إلى آخر عمل المغرب، فوجه عماله، وكتب إلى محمد بن إبراهيم الأغلب بولاية المغرب من قبله، وكان المدبر له أحمد بن الخصيب.
وولى الواثق خراسان إيتاخ التركي، والسند وكور دجلة، وكانت السند قد اضطربت، وقتل عمران بن موسى بن يحيى بن خالد عامل السند، فوجه إيتاخ إلى السند عنبسة بن إسحاق الضبي، فقدم البلد، وقد تغلب عليه عدة ملوك، فلما قدمها عنبسة سمعوا وأطاعوا وخرجوا إليه جميعًا خلا عثمان... فسار إليه عنبسة... فأقام على البلد تسع سنين.
ووثب ابن بيهس الكلابي بدمشق في جمع كثير من بطون قيس، ووثب بفلسطين رجل يقال له تميم اللخمي، ويعرف بأبي حرب، ويلقب بالمبرقع، في لخم وجذام وعاملة وبلقين، وصار إلى كورة الأردن، وخلع قوم من البربر ببرقة، ومعهم قوم من قريش من بني أسيد بن أبي العيص، ووثبوا بعاملهم محمد بن عبدويه بن جبلة، فوجه الواثق رجاء بن أيوب الحضاري، فبدأ بدمشق، فأوقع بابن بيهس، فأسره، وسار إلى فلسطين، فأوقع بتميم اللخمي وأسره وحمله إلى سر من رأى، فوقف بباب العامة، ونودي عليه، وصار رجاء إلى مصر سنة 228، فنزل الجيزة، ثم توجه إلى برقة، فهرب من كان فيها، وظفر بجماعة منهم، فحملهم، ثم انصرف.
وتوفي عبد الله بن طاهر بخراسان سنة 230، وهو ابن سبع وأربعين سنة، ومنزله منها نيسابور، وكانت ولايته أربع عشرة سنة، وولى الواثق طاهر بن عبد الله، وكان عبد الله بن طاهر قد ضبط خراسان ضبطا ما ضبطه أحد مثله، ودانت له البلاد، واستقامت عليه الكلمة. وكانت بطون قيس قد عاثت في طريق الحجاز، وقطعوا الطريق، حتى تخلف الناس عن الحج، ونصبوا رجلًا من سليم يقال له عزيزة الخفافي، وسلموا عليه بالخلافة، فوجه الواثق بغا الكبير سنة 230، وأمره أن يقتل كل من وجده من الأعراب، فشخص قبل أوان الحج، فاجتمعت قيس من كل ناحية، وأكثرهم بنو سليم ورئيسهم عزيزة، فلقيهم، فقاتلوه، فقتل منهم خلقًا عظيمًا، وصلبهم على الشجر، وأسر منهم عالمًا حبسهم في دار يزيد بن معاوية بالمدينة، فنقبوا وخرجوا على أهل المدينة، فوثب عليهم أهل المدينة، فقتلوا عامتهم، وحمل بغا الباقين في الأغلال، ووافى إسحاق بن إبراهيم الموسم في تلك السنة.