قد أفلح المؤمنون ثم الرعد ثم والطور ثم تبارك الذي بيده الملك ثم الحاقة ثم سأل سائل ثم عم يتساءلون ثم والنازعات غرقا ثم إذا السماء انفطرت ثم سورة الروم ثم العنكبوت. وقد اختلف الناس في هذا التأليف في غير رواية ابن عباس، وكان الاختلاف أيضًا يسيرًا. وروى محمد بن كثير ومحمد بن السائب عن ابن صالح عن ابن عباس أنه قال: كان القرآن ينزل مفرقا، لا ينزل سورة سورة، فما نزل أولها بمكة أثبتناها بمكة وأن كان تمامها بالمدينة، وكذلك ما نزل بالمدينة وإنه كان يعرف فصل ما بين السورة والسورة إذا نزل بسم الله الرحمن الرحيم، فيعلمون أن الأولى قد انقضت وابتدئ بسورة أخرى. وروى بعضهم أن التوراة أنزلت لست خلون من شهر رمضان والزبور لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد التوراة بألف وخمسمائة عام، والإنجيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بثمانمائة عام، وقيل ستمائة. وروى آخرون أن القرآن نزل لعشرين ليلة خلت من شهر رمضان. وروى جعفر بن محمد أنه قال: أن الله لم يبعث قط نبيًا إلا بما هو أغلب على أهل زمانه، فبعث موسى بن عمران إلى قوم كان الأغلب عليهم السحر فأتاهم بما ضل معه سحرهم من العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر وانفجار الحجر حتى خرج منه الماء والطمس على وجوههم، فهذه آياته، وبعث داود في زمن أغلب الأمور على أهله الصنعة والملاهي فألان له الحديد وأعطاه حسن الصوت فكانت الوحوش تجتمع لحسن صوته، وبعث سليمان في زمان قد غلب على الناس فيه حب البناء واتخاذ الطلسمات والعجائب فسخر له الريح والجن، وبعث عيسى في زمان أغلب الأمور على أهله الطب فبعثه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وبعث محمدًا في زمان أغلب الأمور على أهله الكلام والكهنة والسجع والخطب فبعثه بالقرآن المبين والمحاورة.
وتوفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها خمس وستون سنة، ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تجود بنفسها، فقال: بالكرة مني ما أرى، ولعل الله أن يجعل في الكره خيرًا كثيرًا، إذا لقيت ضراتك في الجنة يا خديجة فأقرئيهن السلام. قالت: ومن هن يا رسول الله؟ قال: أن الله زوجنيك في الجنة وزوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثوم أخت موسى فقالت: بالرفاء والبنين. ولما توفيت خديجة، جعلت فاطمة تتعلق برسول الله وهي تبكي وتقول: أين أمي؟ أين أمي؟ فنزل عليه جبريل فقال: قل لفاطمة أن الله تعالى بنى لأمك بيتا في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب.
وتوفي أبو طالب بعد خديجة بثلاثة أيام وله ست وثمانون سنة، وقيل بل تسعون سنة. ولما قيل لرسول الله أن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قلبه واشتد له جزعه ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات ثم قال: يا عم ربيت صغيرًا وكفلت يتيمًا ونصرت كبيرا، فجزاك الله عني خيرًا، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتك رحم وجزيت خيرًا، وقال: اجتمعت على هذه الأمة في هذه الأيام مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشد جزعا، يعني مصيبة خديجة وأبي طالب. وروي عنه أنه قال: أن الله، عز وجل، وعدني في أربعة، في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية.
وخروجه إلى الطائف واجترأت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهموا به مرة بعد أخرى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم شريف كل قوم، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدًا منكم، إنما أريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد، وكانوا يقولون: قوم الرجل أعلم به، فعمد لثقيف بالطائف، فوجد ثلاثة نفر إخوة هم يومئذ سادة ثقيف وهم: عبد ياليل بن عمرو وحبيب بن عمرو ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء، فقال أحدهم: ألا يسرق ثياب الكعبة أن كان الله بعثك؟ وقال الآخر أعجز على الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا كما تقول لأنت أعظم خطرا من