ثم إن بني إسرائيل وقعوا في داود، فاشتد غضب الله عليهم، فأمر الله داود أن يحصي عدد بني إسرائيل، فأحصاهم، فوجدهم ثماني مائة ألف رجل بطل، وعدد بني يهوذا خمسمائة ألف رجل، فبعث الله حيرام النبي إلى داود، وقال له: قل لداود اختر واحدة من ثلاث: إما أن يكون جوع سبع سنين، وإما أن تدفع إلى أعدائك فيعزونك ثلاثة أشهر، ويطرحونك من سلطانك، وإما أن يكون موت شديد ثلاثة أيام؟ فضاق داود لذلك، وقال: ربنا أولى بنا من خلقه! فسلط الله عليهم الموت، فمات في ساعة واحدة سبعون ألف رجل، فقال داود: يا رب! إني أنا أسأت، فما ذنب هؤلاء الذين يشبهون البهائم؟ فأوحى الله إليه: أن ابن لي هيكلًا في بيدر اليبوساني، فصعد داود الجبل، حتى اشترى البيدر بخمسين أستارًا، وابتنى هناك مذبحا، فكف الموت عن بني إسرائيل.
وكان داود قد أسن وضعف بدنه، وكان له ابن يقال له أدونياس، فاستمال يؤاب صاحب حروب داود وقومًا من قواد داود، وقال لهم: قد كبر الملك داود، وأنا أولى أن أقوم مقامه، فلما بلغ داود ذلك أرسل إلى سادوق الكاهن وناتان النبي، وقال لهم: أجمعوا أهل المملكة، واحملوا سليمان ابني على بغلتي، وأجلسوه على منبري، فقد جعله الله رأسًا على بني إسرائيل، والله يعظم ملكه، ويرفع شأنه! فمضوا مع سليمان حتى علا منبر داود، واجتمع عليه أهل المملكة، فقال داود: هكذا أعلمني الله أن يملك سليمان ابني، وعيناي تنظران إليه، وكان سليمان يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة.
ثم اشتدت على داود علته، فأوصى سليمان، وقال: أنا ماض في سبيل كل أهل الأرض، لا ثمان، فاعمل بوصايا الرب إلهك، واحفظ مواثيقه وعهوده ووصاياه التي في التوراة المنزلة على موسى بن عمران، ومات داود وله مائة وعشرون سنة، وكان ملكه أربعين سنة.
ولما قبض الله، عز وجل، داود قام مكانه سليمان نبيًا، وملكًا، فسخر الله له الجن والإنس، والرياح والسحاب، والطير والسباع، وآتاه ملكًا عظيمًا، كما قص في كتابه العزيز.
ومال يؤاب صاحب حروب داود، وقوم من أصحابه، مع أخوه سليمان، ليفسدوا على سليمان ملكه، فقتلهم سليمان من عند آخرهم، وقتل أدونياس أخاه، فصلح الملك لسليمان، وثبت سلطانه، وتزوج بنت فرعون ملك مصر، ودخل بها في بيت داود.
وجمع سليمان بني إسرائيل ليقرب قربانا، فقرب ألف ذبيحة، فرأى سليمان في ليلة كان الرب يقول له: سل ما أحببت لأعطيك! فقال سليمان: أنت يا رب أنعمت على داود النعمة العظيمة. وصيرت عبدك سليمان ملكا بعده، فأعطني قلبًا حكيمًا لأحكم بين عبادك بالعدل، وأفهم الخير والشر. فقال الله: لأنك طلبت هذا الأمر، ولم تطلب مالًا، ولم تطلب أنفس أعدائك، ولم تطلب طول العمر لكنك طلبت حكمه تفهم بها الحكم والقضاء. فقد استجبت لك، وأعطيتك قلبًا فهيمًا، بصيرًا إلى الأمر الذي لم يكن لأحد قبلك، ولا يكون بعدك مثلك، وأعطيتك ما لم تطلب من الأموال، والعتاق، والكرامة، وأنت إن سلكت في طريقي، وحفظت شرائعي ووصاياي، كما حفظ داود أبوك، أطيل عمرك، وأعظم أمرك. فكان سليمان يجلس للقضاء، ويحكم بين بني إسرائيل، فيعجبون لحكمه، وعدل قضائه، وقوله، وحسن لفظه، وكان لسليمان قواد، ووزراء، وكتاب، ووكلاء، فكان وزيره زابود بن ناتان، وعلى حروبه بنايا بن بويادع، وخازنه أبيشار، وعلى الخراج أدونيرام بن عبدا، و كان له اثنا عشر وكيلًا على نفقاته يقوم كل وكيل بنفقة شهر، وكانت نفقاته على أسباط بني إسرائيل، وكانت وظيفته كل يوم ثلاثين كرًا من الدقيق السميذ، وستين كرًا من دقيق الخشكار، وعشرة ثيران معلوفة، وعشرين ثورا، ومائة كبش، وكان له أربعون ألف أرى معلق عليها دوابه، وكان معجبا بالخيل، وقد قص الله من خبره فيها ما قص.
وابتدأ سليمان في بناء بيت المقدس، وقال: إن الله أمر أبي داود أن يبني بيتًا، وإن داود شغل بالحروب، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبني البيت باسمي، فأرسل سليمان في حمل خشب الصنوبر وخشب السرو، ثم بنى بيت المقدس بالحجارة، فأحكمه، ولبسه الخشب من داخل، وجعل الخشب منقوشًا، وجعل له هيكلًا مذهبًا، وفيه آلة الذهب، ثم أصعد تابوت السكينة، فجعله في الهيكل، وكان في التابوت اللوحان اللذان وضعهما موسى.