وكان خالد بن سعيد غائبًا، فقدم فأتى عليًا فقال: هلم أبايعك، فو الله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: اغدوا على هذا محلقين الرءوس. فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر.
وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أيامًا. ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر وقيل أربعين يومًا.
وكانت بيعة أبي بكر يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشر، في اليوم الذي توفي فيه رسول الله. واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان بن عامر، وكان يسمي عتيقًا لجماله، وأمه سلمى بنت صخر من بني تيم بن مرة، وكان منزله بالسنح خارج المدينة، وكانت امرأته حبيبة بنت خارجة فيه، وكان له أيضًا منزل بالمدينة فيه أسماء بنت عميس، فلما ولي كان منزله المدينة، وأتته فاطمة ابنة رسول الله تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: قال رسول الله: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة. فقالت: أ في الله أن ترث أباك ولا إرث أبي؟ أما قال رسول الله: المرء يحفظ ولده؟ فبكى أبو بكر بكاء شديدا. وأمر أسامة بن زيد أن ينفذ في جيشه. وسأله أن يترك له عمر يستعين به على أمره. فقال: فما تقول في نفسك؟ فقال: يا ابن أخي! فعل الناس ما ترى فدع لي عمر، وأنفذ لوجهك. فخرج أسامة بالناس وشيعة أبو بكر فقال له: ما أنا بموصيك بشيء، ولا آمرك به، وإنما آمرك ما أمرك به رسول الله، وامض حيث ولاك رسول الله. فنفذ أسامة، فأقام منذ خرج إلى أن قدم المدينة منصرفا ستين يومًا، أو أربعين يومًا، ثم دخل المدينة ولواؤه معقود، حتى يدخل المسجد، فصلى، ثم دخل إلى بيته ولواؤه الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، وصعد أبو بكر المنبر عند ولايته الأمر، فجلس دون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرقاة، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني! لا أقول إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملًا. وأثنى على الأنصار خيرًا وقال: أنا وإياكم، معشر الأنصار كما قال القائل:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبو أن يملونا ولو أن آمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت
فاعتزلت الأنصار عن أبي بكر، فغضبت قريش، وأحفظها ذلك، فتكلم خطباؤها، وقدم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرًا قاله، فخرج علي مغضبًا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار بخير، ورد علي عمرو بن العاص قوله. فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت: ما نبالي بقول من قال مع حسن قول علي، واجتمعت إلى حسان بن ثابت، فقالوا: أجب الفضل، فقال: إن عارضته بغير قوافيه فضحني. فقالوا: فأذكر عليًا فقط، فقال:
جزى الله خيرًا، والجزاء بكفه، ... أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشًا بالذي أنت أهله ... فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
تمنت رجال من قريش أعزة ... مكانك، هيهات الهزال من السمن
وأنت من الإسلام في كل منزل ... ... البطين من الرسن
وكنت المرجى من لؤي بن غالب ... لما كان منه والذي بعد لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده ... إليك ومن أولى به منك من ومن
ألست أخاه في الإخاء ووصيه، ... وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن
وتنبأ جماعة من العرب، وارتد جماعة، ووضعوا التيجان على رؤوسهم، وامتنع قوم من دفع الزكاة إلى أبي بكر.