فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 319

أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. وتهزأوا به وأفشوا في قومهم ما قالوه له، وقعدوا له صفين. فلما مر رسول الله رجموه بالحجارة حتى أدموا رجله، فقال رسول الله: ما كنت أرفع قدما ولا أضعها إلا على حجر. ووافاه بالطائف عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومعهما غلام لهما نصراني ويقال له عداس، فوجها به إلى رسول الله، فلما سمع كلامه أسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة.

وكانت الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة أهل عز ومنعة في بلادهم حتى كانت بينهم الحروب التي أفنتهم في أيام لهم مشهورة منها يوم الصفينة وهو أول يوم جرت الحرب فيه ويوم السرارة ويوم وفاق بني خطمة ويوم حاطب ابن قيس ويوم حضير الكتائب ويوم أطم بني سالم ويوم أبتروه ويوم البقيع ويوم بعاث ويوم مضرس ومعبس ويوم الدار ويوم بعاث الآخر ويوم فجار الأنصار، وكانوا ينتقلون في هذه المواضع التي تعرف أيامهم بها ويقتتلون قتالًا شديدا، فلما ضرستهم الحرب وألقت بركها عليهم وظنوا أنها الفناء، واجترأت عليهم بنو النضير وقريظة وغيرهم من اليهود خرج قوم منهم إلى مكة يطلبون قريشا لتقويهم، وعزوا فاشترطوا عليهم شروطا لم يكن لهم فيها مقنع، وكان المشترط عليهم أبو جهل بن هشام المخزومي، وقد قيل أن قريشا قد كانت إجابتهم حتى قدم أبو جهل من سفر له وكان غائبًا فنقض الحلف واشترط عليهم شروطا لم يقنعوا بها. ثم صاروا إلى الطائف فسألوا ثقيفا فأبطأوا عنهم فانصرفوا. وقدم رجل منهم بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له سويد بن الصامت من الأوس حاجا أو معتمرا فبلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه وكلمه فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله. فقال له سويد: أن معي مجلة لقمان. قال: فاعرضها علي، فعرضها عليه. فقال رسول الله: أن هذا الكلام لحسن، والذي معي أحسن منه: كلام الله، وقرأ عليه. فقال: يا محمد أن هذا الكلام حسن.

ثم انصرف إلى المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، ثم قدم نفر منهم أيضًا إلى مكة، وهم بنو عفراء، يتفاخرون مع أسعد بن زرارة، فلقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال رجل منهم يقال له إياس بن معاذ: يا قوم هذا والله النبي الذي كانت اليهود تعدكم، به فلا يسبقنكم إليه أحد، فأسلموا، وأخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان بالله وبرسوله، ثم انصرفوا فأخبروا قومهم الخبر وقد كانوا سألوه أن يوجه معهم رجلًا من قبله يدعو الناس بكتاب الله. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وجعل يدعوهم إلى الله، عز وجل، ويعلمهم الإسلام، وكان أول من قدم المدينة. ثم خرج اثنا عشر رجلًا منهم إليه فلقوه وهم أصحاب العقبة الأولى فأمنوا بالله وصدقوه، وانصرفوا إلى المدينة وكثر خبره وفشا الإسلام فيها.

فلما كان العام القابل خرج إليه جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج فوافى منهم سبعون رجلًا وامرأتان فأسلموا وصدقوه، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بيعة النساء.

فسألوه أن يخرج معهم إلى المدينة، وقالوا: إنه لم يصبح قوم في مثل ما نحن فيه من الشر، ولعل الله أن يجمعنا بك ويجمع ذات بيننا فلا يكون أحد أعز منا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا جميلا، ثم انصرفوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام فكثر حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر حسن من ذكر رسول الله، وسألوه الخروج معهم وعاهدوه أن ينصروه على القريب والبعيد والأسود والأحمر، قال له العباس بن عبد المطلب: وإني فداك أبي وأمي آخذ العهد عليهم فجعل ذلك إليه وأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم وعلى أن يحاربوا معه الأسود والأحمر وأن ينصروه على القريب والبعيد وشرط لهم الوفاء بذلك والجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت