في حجره وضمهم إليه ومسح على رؤوسهم ودمعت عيناه. فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله لم تفعل بولدي كما تفعل بالأيتام لعله بلغك عن جعفر شيء فغلبته العبرة وقال: رحم الله جعفرا فصحت: وا ويلاه وا سيداه فقال: لا تدعي بويل ولا حرب، وكل ما قلت فأنت صادقة. فصحت: وا جعفراه وسمعت صوتي فاطمة بنت رسول الله، فجاءت وهي تصيح: وا بن عماه فخرج رسول الله يجر رداءه، ما يملك عبرته، وهو يقول: على جعفر فلتبك البواكي، ثم قال يا فاطمة اصنعي لعيال جعفر طعاما فإنهم في شغل، فصنعت لهم طعاما ثلاثة أيام، فصارت سنة في بني هاشم.
وكانت غزوات فيما بين ذلك لم يكن فيها قتال. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج فلا يلقى كيدًاوينصرف، وإنما قدمنا ما كان فيها القتال على التي لا قتال. فيها لنفرد الغزوات التي لم يكن فيها قتال غزاة الأبواء: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ودان فرجع ولم يلق كيدًا. وغزاة بواط: مثل ذلك وغزاة ذي العشيرة: من بطن ينبع وادع بها بني مدلج وحلفاء لهم من بني ضمرة وكتب بينهم كتابا، والذي قام بذلك بينهم مخشي بن عمرو الضمري.
وغزاة قرقرة الكدر: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب مكدر بن جابر الفهري، ويقال كرز بن جابر، حين كان أغار على سرح المدينة، وذلك أن أبا سفيان ضاف سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير، فقرأه وسقاه خمرًا ثم خرج من تحت ليلته حتى مر بمكان يقال له العريض، فوجد بها رجلين من الأنصار في صور لهما من النخل فقتلهما وانصرف إلى مكة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فبلغ قرقرة الكدر ولم يلق كيدًا وانصرف.
وغزاة حمراء الأسد: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غد يوم أحد، وقد ذكرناها مع خبر أحد.
وغزاة بدر الصغرى: وهي بدر الموعد، لميعاد أبي سفيان بن حرب. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان في السنة الرابعة فأقام عليها ثماني ليال ينتظر أبا سفيان، ووافق السوق وكانت عظيمة، فتسوق المسلمون فربحوا ربحا حسنا، وقال المنافقون للمؤمنين حين خرجوا لميعاد أبي سفيان: قد قتلوكم عند بيوتكم، فكيف إذا أتيتموهم في بلادهم وقد جمعوا لكم، والله لا ترجعون أبدا، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك: الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم. وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدًاوخلفهم أبو سفيان وقال: هذا عام جدب ولا يصلحكم يا معشر قريش إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإني راجع، فرجعوا بعد أن كان قد بلغ مر الظهران.
وغزاة تبوك سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع كثير إلى تبوك: من أرض الشام يطلب بدم جعفر بن أبي طالب: ووجه إلى رؤساء القبائل والعشائر يستنفرهم ويرغبهم في الجهاد، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة، فأنفقوا نفقات كثيرة وقووا الضعفاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة جهد المقل. فأتاه البكاؤون يستحملونه، وهم: هرمي بن عبد الله من بني عمرو بن عوف وسالم بن عمير وعمرو بن الحمام وعبد الرحمن بن كعب وصخر بن سلمان. فقال ما أجد ما أحملكم عليه. وأتاه قوم من الأغنياء فاستأذنوه وقالوا: دعنا نكن مع من تخلف. فقال الله تعالى:"رضوا بأن يكونوا مع الخوالف"وهم: الجد بن قيس ومجمع بن جارية وخدام بن خالد. فأذن لهم رسول الله، فقال الله، عز وجل:"عفا الله عنك لم أذنت لهم".
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غرة رجب سنة تسع واستخلف عليًا على المدينة واستعمل الزبير على راية المهاجرين وطلحة على الميمنة وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة