وسار المهلب حتى صار إلى بلاد الصغد، ونزل كش، فصالحه ملك الصغد، وأخذ المهلب منه الرهائن، ودفعها إلى حريث بن قطبة، وانصرف إلى بلخ، فأخذ حريث بلاد... فحاربه.
واعتل المهلب، فاشتدت علته من آكلة كانت في رجله، فلما حضرته الوفاة استخلف ابنه يزيد على كره منه له لصلفه وتيهه، إلا أن الحجاج كتب إليه بذلك، ثم أنكر الحجاج على يزيد أشياء بلغته عنه، فأراد صرفه فخاف أن يمتنع عليه فتزوج هندًا أخته، وكتب أن يقدم عليه، ويستخلف المفضل بن المهلب، فقدم وكتب الحجاج إلى المفضل بولايته خراسان مكان يزيد أخيه، ثم ولى قتيبة ابن مسلم مكانه، وقتيبة على الري، وقد شرحنا ذلك في غير هذا الموضع من الكتاب.
وولي الحجاج ثغرى السند والهند سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، فأقام بمكران، وغزا ناحية من الهند، وكان رجلًا محدودًا، فقتل، فوجه الحجاج موضعه محمد بن هارون بن ذراع النمري، فصار إلى مكران، وحسن أثره في غزو العدو، وظفر مرة بعد أخرى، فخرج يريد الديبل في عدة سفن و... ملك الديبل، فعارضه في خلق عظيم، فقتل محمد بن هارون وخلق عظيم ممن كان معه.
وولى عبد الملك حسان بن النعمان الغساني إفريقية والمغرب، فلم يزل مقيما بها، ثم توفي، واستخلف رجلًا على البلد، فولى عبد الملك إفريقية موسى بن نصير اللخمي سنة سبع وسبعين، وقيل ولاه عبد العزيز بن مروان، وهو يومئذ عامل مصر، فافتتح موسى بن نصير عامة المغرب، ولم يزل مقيمًا عليها مدة أيام ولاية عبد الملك.
وتوفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالمدينة سنة ثمانين، وكان جوادًا سخيًا، يقال إنه أتاه إنسان في أمر يسأله معونته عليه، فلم يحضره ما يعطيه، فنزع ثيابه التي كانت عليه، وقال: اللهم إن نزل بي من بعد اليوم حق لا أقدر على قضائه فأمتني قبله! فمات في ذلك اليوم، وفي هذه السنة كان السيل الجحاف الذي ذهب بمتاع الحاج.
وكان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس عامل الحجاج على سجستان، ووجه معه الحجاج بعشرة آلاف منتخب، فلما صار إلى سجستان أقام ببست، ثم سار يريد رتبيل ملك البلد، وكان قد ضبط أطرافه، فلما أوغل في بلاد رتبيل، خاف غرره، فرجع إلى بست، وكتب إلى الحجاج يعلمه برجوعه، وأنه أخر غزو رتبيل إلى العام المقبل، فكتب إليه كتابًا يتوعده فيه، فجمع أطرافه إليه وحرض الناس على الحجاج، ودعاهم إلى خلعه، فخلعوه، وبايعوا له فلما اجتمعت الكلمة قال لهم: نسير إلى العراق، ونكتب بيننا وبين رتبيل كتاب صلح فإن تم أمرنا وقفنا عنه، ورقبنا له، وإن كانت الأخرى اتخذناه ملجأ فتم رأي القوم على ذلك، وكتب بينه وبين رتبيل كتابا بهذا الشرط، وسار إلى العراق واستخلف على سجستان رجلًا من قبله، وأقبل حتى صار إلى قرب الأهواز، فلما بلغ الحجاج أمره، وجه إليه عبد الله بن عامر بن صعصعة.
ثم خرج الحجاج في جيش حتى صار إلى الأهواز، ولقيه عبد الرحمن، فقاتله قتالًا شديدًا، فهزمه حتى رجع الحجاج إلى البصرة، ولحقه ابن الأشعث، فقاتله بالبصرة، فانهزم ابن الأشعث، فلما رأوا انهزامه إلى الكوفة أتوا عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي، فقالوا: تركنا ولحق بالكوفة، وهذا الفاسق منيخ علينا. فبايعهم وسار إلى الحجاج، فقاتله بالزاوية، فهزمه الحجاج، فلحق بابن الأشعث بالكوفة.
وأقبل الحجاج من البصرة إلى ابن الأشعث فسلك في البرية حتى نزل قريبا منه، وخرج ابن الأشعث فنزل دير الجماجم، وجعلت خيلهما تروح وتغدو للقتال، وأهل الكوفة يستعلون على خيل الحجاج، ويهزمونهم في كل يوم، فاشتد على الحجاج ما رأى من ذلك، وكتب إلى عبد الملك كتابا بعث به باحث سير: أما بعد فيا غوثاه، ثم يا غوثاه! فلما قرأ عبد الملك الكتاب كتب إليه: أما بعد فيا لبيك، ثم يا لبيك، ثم يا لبيك! ثم وجه بجيش بعد جيش، وكانت وقائعهم كثيرة شديدة، أخراهن وقعة مسكن هزمه فيها الحجاج، فمضى منهزما لا يلوي على شيء حتى صار إلى سجستان، فأتى مدينة زرنج، فمنعه عبد الله بن عامر عامله من دخولها، فمضى إلى بست، وعليها عياض بن عمرو، فأدخله المدينة، ودبر أن يغدر به، ويتقرب به إلى الحجاج.