فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 319

وكتب الوليد إلى الحجاج فنعى إليه أباه عبد الملك، فنادى الحجاج بالصلاة جامعة، ثم صعد المنبر، فذكر عبد الملك، وقرظة ووصف فعله وقال: كان والله البازل الذكر، رابعا من الولاة الراشدين المهديين، وقد اختار له الله ما عنده، وعهد إلى نظيره في الفضل وشبيهه في الحزم والجلد، والقيام بأمر الله، فاسمعوا وأطيعوا. وولى الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة، وأمر أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، وكان هشام بن إسماعيل المخزومي قد أساء السيرة، وجار في الأحكام، وتحامل على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمر قال هشام: ما أخاف إلا علي بن الحسين! فمر به، وهو موقوف، فسلم عليه، فناداه هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ولم يعرض له سعيد بن المسيب ولا لأحد من أسبابه وحاميته.

وكان قدوم عمر بن عبد العزيز المدينة سنة سبع وثمانون وثقله على ثلاثين بعيرًا. وضرب الوليد البعث على أهل المدينة، وكتب إلى عمر، فأخرج منهم ألفي رجل. وبنى الوليد المسجد بدمشق، فأنفق عليه أموالًا عظامًا، وابتدأ بناءه في سنة ثمان وثمانون، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز أن يهدم مسجد رسول الله، ويدخل فيه المنازل التي حوله، ويدخل فيه حجرات أزواج النبي، وهدم الحجرات، وأدخل ذلك في المسجد. ولما بدأ بهدم الحجرات قام خبيب بن عبد الله بن الزبير إلى عمر والحجرات تهدم، فقال: نشدتك الله يا عمر أن تذهب باية من كتاب الله، يقول: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، فأمر به، فضرب مائة سوط، ونضح بالماء البارد، فمات، وكان يومًا باردًا. فكان عمر لما ولي الخلافة، وصار إلى ما صار إليه من الزهد، يقول: من لي بخبيب! وروى الواقدي أن الوليد بعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد رسول الله، فليعنه فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا، ومائة فاعل، وأربعين حملًا فسيفساء، فبعث الوليد بذلك كله إلى عمر، فأصلح به المسجد، وفرع من بنائه في سنة تسعون.

وبعث الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو على مكة، بثلاثين ألف دينار، فضربت صفائح، وجعلت على باب الكعبة وعلى الأساطين التي داخلها وعلى الأركان والميزاب، فكان أول من ذهب البيت في الإسلام.

وحج الوليد سنة واحد وتسعون لينظر إلى البيت وإلى المسجد وما أصلح منه، وإلى البيت وتذهيبه، فلما قرب من المدينة خرج عمر، فتلقاه بأشراف المدينة، فدخل المسجد، وجعل ينظر إليه، وأخرج الحرس كل من كان فيه خلا سعيد بن المسيب، فإنه لم يخرج، ولم يترجرج، فدخل الوليد، فجعل يطوف وسعيد بن المسيب جالس، ثم قال الوليد: أحسب هذا سعيد بن المسيب؟ فقال له عمر: نعم! ومن حاله وحاله، إلا أنه ضعيف البصر. فجاء الوليد حتى وقف عليه، فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فما تحرك، وقال: نحن بخير، يا أمير المؤمنين، وكيف أنت؟ وانصرف الوليد، وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس. وقسم الوليد بين أهل المدينة قسمًا كثيرة، وصلى بها الجمعة، وصف بها الجند صفين، وصلى في دراعة وقلنسوة في غير رداء، وخطب قاعدا، وتوعد أهل المدينة فقال: إنكم أهل الخلاف والمعصية، فقام إليه قوم فكلموه، وكلمه أبو بكر بن عبد الرحمن، فقال: ما نجهل ما تقولون، ولكن في النفوس ما فيها.

وصار إلى مكة فخطب بها خطبة بتراء ذكر فيها الوعيد والتهديد، ولما صار بعرفة أطعم الناس، ونصب الموائد، ولم يأكل، وكان خالد الذي يقوم على الموائد، ثم نصب مائدة، فقيل: هذه لأمير المؤمنين، فقام، فأرسل إليه الوليد يأمره بالجلوس فجلس.

وولى الوليد موسى بن نصير الأندلس في هذه السنة، وهي سنة واحد وتسعون، فوجه معه بطارق مولاه، فلقي ملك الأندلس، وكان يقال له الإدريق، وكان رجلًا من أهل أصبهان، وهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت