فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 319

قال الزهري: دخلت إلى عمر يومًا فبينا أنا عنده إذ أتاه كتاب من عامل له يخبره إن مدينتهم قد احتاجت إلى مرمة، فقلت له: إن بعض عمال علي بن أبي طالب كتب بمثل هذا، وكتب إليه: أما بعد فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الجور، فكتب بذلك عمر إلى عامله.

ووجه عمر إلى مسجد دمشق من ينزع ما فيه من الرخام والفسيفساء والذهب، وقال: إن الناس يشتغلون بالنظر إليه عن صلاتهم، فقيل له: إن فيه مكيدة للعدو، فتركه، وارتحل إلى خناصرة، فنزلها، وهي برية من أطراف جند قنسرين، وكره أن ينزل في منازل أهل بيته التي بنوها بمال الله وفيء المسلمين، ثم كلم في ذلك، وقيل له: إن في نزولك البرية إضرارًا بالمسلمين، فخرج إلى دمشق، فنزل دار أبيه التي كانت إلى جانب المسجد، وأقام عشرين يومًا، وكثر عليه الناس، فارتحل حتى صار إلى مدينة حلب، وكثر عليه الناس، فارتحل إلى مدينة حمص راجعًا يريد أن ينزلها، فلما صار إلى أوائل حمص اعتل، فمال إلى موضع يعرف بدير سمعان، فنزله، ويقال: بل ارتحل إليه قاصدًا يريد نزوله بسبب قطعة أرض كان ورثها عن أمه فيه، فلما صار إلى دير سمعان أتاه الخبر بخروج شوذب الحروري، فأمر بتوجيه جيش إليه، ووجه إليه شوذب برجلين من قبله يناظرانه، فقالا له: إنك أظهرت أفعالا حسنة، وأعمالا جميلة، ومما ننكر عليك ترك لعن أهل بيتك، والبراءة منهم. فقال: وكيف يلزمني لعنهم؟ قالا لأنهم من أهل المعاصي والذنوب، ولا يسعك غير ذلك. قال: متى عهدكم بلعن فرعون؟ قالوا: ما نذكر متى لعناه. قال: فكيف يسعكم ترك لعنه، وهو من أهل الذنوب والمعاصي؟ أنتم قوم أردتم شيئًا فأخطأتموه، ولقد أصبحتم بنعمه، ووعدكم كثير، وشوكتكم ضعيفة. فأقام أحدهما عنده، وانصرف الآخر.

وأتاه أبو الطفيل عامر بن واثلة وكان من أصحاب علي، فقال له: يا أمير المؤمنين! لم منعتني عطائي؟ فقال له: بلغني أنك صقلت سيفك، وشحذت سنانك، ونصلت سهمك، وغلفت قوسك، تنتظر الإمام القائم حتى يخرج، فإذا خرج وفاك عطائك. فقال: إن الله سائلك عن هذا، فاستحيا عمر من هذا، وأعطاه.

وكانت ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي عند عبد الله ابن عبد الملك بن مروان، فهلك عنها، فخلف عليها الحجاج بن عبد الملك، فطلقها قبل أن يدخل عليها، فقدم محمد بن علي، وهو يريد الصائفة، فكلم عمر فيها، وقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم، فإن تأذن أتزوجها. قال عمر: ومن يحول بينك وبينها، وهي أملك بنفسها؟ فتزوجها وبنى بها بحاضر قنسرين في دار طلحة بن مالك الطائي واشتملت هناك على أبي العباس.

ولما دخلت سنة مائة بعث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ميسرة أبا رباح إلى العراق، ومحمد بن خنيس، وأبا عكرمة السراج، وحيان العطار، إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي، عامل عمر بن عبد العزيز، فلقوا من لقوا بها، وانصرفوا وقد غرسوا غرسًا. وكانت ولاية عمر ثلاثين شهرًا، وكان الغالب عليه رجاء بن حيوة الكندي، وصاحب شرطته روح بن يزيد السكسكي، مولاه، وتوفي لست بقين من رجب سنة مائة وواحد، وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وكان أسمر، رقيق الوجه، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر، وعهد إلى يزيد بن عبد الملك، وقيل إن سليمان كان جعل له العهد من بعده، وإن عمر قال عند وفاته: لو كان الأمر إلي لوليت ميمون بن مهران، والقاسم بن محمد، وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك، ودفن بدير سمعان، وقيل: إن أهل بيته سموه خوفًا من أن يخرج الأمر منهم.

وهرب يزيد بن المهلب، قبل وفاة عمر بليلتين، ولحق بالبصرة، وعليها عدي بن أرطأة الفزاري، وقد قبض على أهل بيته فحبسهم، فوجه عمر في أثر يزيد رسلًا ففاتهم.

وخلف عمر من الولد تسعة ذكور: عبد العزيز، وعبد الله، وعبيد الله، وزيدًا، ومسلمة، وعثمان، وسليمان، وعاصما، وعبد الرحمن.

وأقام الحج للناس في ولايته سنة تسع وتسعون أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سنة مائة أبو بكر أيضًا، وغزا الصوائف في ولايته سنة تسع وتسعون عمرو بن قيس الكندي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت