فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 319

وحدث إسماعيل بن صبيح قال: بعث إلى الرشيد يومًا، وهو ببغداد، فدخلت، فلم أر في المقاصير والأروقة أحدًا، حتى انتهيت إليه، فقال: يا إسماعيل! هل رأيت في الدار أحدًا؟ فقلت: لا، والله! قال: فطف المجالس والأروقة والمقاصير! فطفت فلم أجد أحدًا، فقال: عد ثالثة فعدت، ثم قال: خذ ذلك الكرسي! فأخذته، وخرج وفي يده عمود حتى صار إلى وسط الصحن، ثم قال: ضع الكرسي! فوضعته، فجلس عليه، والعمود في يده، ثم قال: اجلس! فأوحشت نفسي خيفة، وجلست، فقال: إني أريد أن أفشي إليك سرًا، والله لئن سمعته من أحد من الناس لأضربن عنقك! فتراجعت نفسي، وقلت: إن كنت يا أمير المؤمنين قلته لأحد، أو تقوله، فلا حاجة بي إليه. فقال: ما قلته لأحد، ولا أقوله، إني أريد أن أوقع بال برمك إيقاعًا ما أوقعه بأحد، وأجعلهم أحدوثة ونكالا إلى آخر الأبد. فقلت: وفقك الله، يا أمير المؤمنين، وأرشد أمرك! ثم قام، فعاد، وأخذت الكرسي، فرددته، وقلت: إنما أراد أن يعرف ما عندي فيهم، فبعث بي إليهم، وكان يفعل ذلك كثيرًا، ثم حال الحول، وحال حول ثان، ثم حال ثالث، فلما كان رأس الحول الرابع قتلهم، وكان قتل جعفر في صفر سنة 188 بدير العمر، وكان يحيى بن خالد قد نزل هذا الدير منصرفًا من الحج، قبل أن يحل بهم الأمر بحول كامل، فدخل إلى الدير الذي قتل ابنه جعفر فيه، فطافه، فظهر له قس، فقال له: مذ كم بنيت هذه البيعة؟ فقال: مذ ستمائة سنة، وهذا قبر صاحبها، فوقف على قبر عليه كتابه فقرأها، فإذا عليه:

إن بني المنذر عام انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب

تنفح بالمسك ذفاريهم ... وعنبر يقطبه القاطب

والقطن والكتان أثوابهم ... لم يجنب الصوف لهم جانب

فأصبحوا حشًا لدود الثرى ... والدهر لا يبقى له صاحب

أضحوا وما يرجو لهم راغب ... خيرًا ولا يرهبهم راهب

كأنما جنتهم لعنة ... سار إلى بين بها راكب

قال: فتغير وجه يحيى، وقال: أعوذ بالله من شرك، يا قس! فغاب القس بين عينيه، فطلبه فلم يقدر عليه. وأقام يحيى وولده في الحبس عدة سنين، وكتب يحيى إلى الرشيد يستعطفه ويذكر له حرمته وتربيته، فوقع على ظهر رقعته: إنما مثلك يا يحيى ما قال الله عز وجل: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

وأغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة في هذه السنة، وهي سنة 188، ومعه عبد الملك بن صالح الهاشمي، وعلى أمره إبراهيم بن عثمان بن نهيك، فحاصر حصن سنان وقرة، وأصاب الناس جوع شديد، وعوز، وغلاء، وطلب الروم الصلح على أن يدفعوا إليه ثلاثمائة وعشرين مسلما، فقبل، وانصرف، وأخذ الرشيد أحمد بن عيسى بن يزيد العلوي، فحبسه بالرافقة سنة 188، فهرب أحمد بن عيسى من الحبس، وصار إلى البصرة، وكان يكاتب الشيعة يدعوهم إلى نفسه، فأذكى الرشيد عليه العيون، وجعل لمن جاء به الأموال، فلم يقدر عليه، فأخذ حاضر صاحبه، والمدبر لأمره، فحمل إلى الرشيد، فلما صار ببغداد، وهو بباب الكرخ، قال: أيها الناس أنا حاضر صاحب أحمد بن عيسى بن يزيد العلوي، وقد أخذني السلطان، فمنعه الموكلون به من الكلام، فلما دخل على الرشيد سأله عنه وتهدده، فقال: والله لو كان تحت قدمي هذه ما رفعتها عنه، وأغلظ في الجواب، وقال: أنا شيخ قد جاوزت التسعين، أفأختم عملي بأن أدل على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقتل؟ فأمر الرشيد، فضرب حتى مات، وصلب ببغداد، وطفى أحمد بن عيسى، ولم يعرف خبره بعد ذلك.

وحبس الرشيد عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي في هذه السنة، وهي سنة 188، وذلك أن ابنه عبد الرحمن، وكاتبه قمامة بن يزيد، وكان مولى لعبد الملك، رفعا عنه أنه يؤهل نفسه للخلافة، وأنه يراسل رؤساء القبائل والعشائر بالشام والجزيرة، وكان نبيلًا، فصيحًا، حسن البيان، فقال: ما سبب حبسي؟ فإن كان لذنب اعترفت به، أو لبلاغ تنصلت منه، فأحضره الرشيد، فقال: هذا ابنك عبد الرحمن يذكر ما كنت تدبره من المعصية والشقاق. فقال: ليس يخلو ابني أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت