فلما صار الفضل إلى العراق، وجه أبا الصباح على خراج أرمينية، وسعيد ابن محمد الحراني اللهبي على حربها، فوثب أهل برذعة على أبي الصباح، فقتلوه، وانتقضت أرمينية، وظهر فيها أبو مسلم الشاري، فولى الفضل خالد بن يزيد بن أسيد السلمي أرمينية ووجه إليه عبد الملك بن خليفة الحرشي في خمسة آلاف فلقوا أبا مسلم الشاري برويان، فهزمهم، وانصرف أبو مسلم إلى قلعة الكلاب، فأخذها.
واستعمل الرشيد على أرمينية العباس بن جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، فلما صار إلى برذعة وثب به البيلقانية، فتحصن منهم في ربض برذعة، ووجه معدان الحمصي إلى أبي مسلم الشاري في ستة آلاف، والتقيا، وكانت بينهما وقعة، وقتل معدان الحمصي، فصار أبو مسلم الشاري إلى دبيل، فحصرها أربعة أشهر ثم انصرف، فصار إلى البيلقان فنزلها.
وقوي أمر أرمينية، ووجه الرشيد يحيى الحرشي في اثني عشر ألفًا، ويزيد ابن مزيد الشيباني في عشرة آلاف، وأمر يزيد بن مزيد أن يقصد أرمينية، وأمر الحرشي أن يأخذ على آذربيجان، وكان قد تغلب باذربيجان مهلهل التميمي، فلقيه الحرشي فقاتله، فهزمه، وأصلح البلاد، ثم صار إلى أرمينية ليجتمع ويزيد بن مزيد على محاربة أبي مسلم الشاري، فوافى البلد وقد مات، وقام من بعده السكن بن موسى البيلقاني مولى... وكان منزله البيلقان، فلما بلغه قدوم يحيى الحرشي وجه إليه الخليل بن السكن في خيار خيله، فلقي الحرشي، فأسره الحرشي، وزحف إلى البيلقان، فلما بلغ السكن الخبر خرج هاربا، فصار إلى قلعة الكلاب، وصار أهل البيلقان إلى الحرشي، فطلبوا الأمان، فأدخلوا المدينة، فامن أهلها، وهدم حصنها.
وسار السكن إلى يزيد بن مزيد في ثمانية آلاف مستأمنًا منه، وحمله إلى الرشيد، ولما سكن البلد ولى الرشيد موسى بن عيسى الهاشمي، فأقام بأرمينية سنة، فعاد انتقاضها، فاضطربت نواحيها، وكتب إلى الرشيد بذلك، فقال الرشيد: ما أرى لها إلا الحرشي، فعزل موسى بن عيسى، ووجه الحرشي عاملا عليها، فوضع فيهم السيف حتى استقامت، ثم ولى الرشيد أحمد بن يزيد ابن أسيد السلمي، فلما قدم وثب به من كان في البلد من أهل خراسان ممن قدم مع الحرشي وقبل الحرشي، وقاتلوه، وتعصبوا عليه وقالوا: لا سمع لك ولا طاعة، فولى الرشيد سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي، فلما قدم البلد تلاءمت الناس شهورًا، ثم تعبث بالبطارقة، فخالف عليه أهل الباب والأبواب، ووثبوا بعاملة، وكان النجم بن هاشم صاحب الباب والأبواب، فقتله سعيد بن سلم، فوثب ابنه حيون بن النجم، فقتل عامل سعيد على الباب والأبواب، وكشف رأسه للمعصية، وكتب إلى خاقان ملك الخزر، فزحف إليه ملك الخزر في خلق عظيم، فأغار على المسلمين، فقتل وسبى خلقا عظيما، وسار حتى أتى جسر الكر، وسبى خلقًا من المسلمين، وقتل عالمًا، وحرق البلاد، وقتل النساء والصبيان. فلما بلغ الرشيد خبره وجه بتحاب، وأمره أن يعرض على سعيد بن سلم، ويقيمه للناس فلما وافى البلد أعطاه سعيد مالًا، فمال التحاب إلى أخذ المال، فبلغ الرشيد ذلك فوجه نصر بن حبيب المهلبي عاملًا على البلد، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى عزله، وولى علي بن عيسى بن ماهان، فلما قدم ساءت سيرته، ووثب به أهل شروان، واضطرب البلد، فولى الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني، ورد عليًا إلى خراسان، وجمعت ليزيد بن مزيد أرمينية وآذربيجان، فلما قدم تلاءمت الناس، وأصلح البلد، وساوى بين النزارية واليمانية، وكتب إلى أبناء الملوك والبطارقة يبسط آمالهم، فاستوى البلد.
ثم ولى الرشيد خزيمة بن خازم التميمي، فأخذ البطارقة وأبناء الملوك، فضرب أعناقهم، وسار فيهم أسوأ سيرة، فانتقضت جرجان والصنارية، فأنفذ إليهم جيشًا، فقتلوه، فوجه إليهم سعيد بن الهيثم بن شعبة بن ظهير التميمي في جيش عظيم، فقاتل أهل جرجان والصنارية حتى أجلاهم عن البلد، وانصرف إلى تفليس، فأقام خزيمة بن خازم أقل من سنة، ثم عزله، وولى سليمان بن يزيد بن الأصم العامري، وكان شيخًا عفيفًا، مغفلًا، فضعف حتى لم يكن له أمر يجوز، حتى كاد أن يغلب على البلد. وولى الرشيد العباس بن زفر الهلالي، فانتقضت عليه الصنارية، فقاتلهم، وضعف عنهم، فوجه الرشيد محمد بن زهير بن المسيب الضبي، وكان آخر عمال الرشيد على أرمينية.