فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 319

وولى المتوكل أحمد بن محمد خراج دمشق والأردن، وذلك أن كتاب الدواوين احتالوا عليه لخوفهم منه، وقالوا: إن البلد يحتاج أن يعدل، ولا يقوم بالتعديل إلا من ولي ديوان الخراج، فتوجه سنة 240 يعدل دمشق والأردن، وحمل كل أرض ما تستحقه.

وتوفي هارون بن أبي خالد عامل السند سنة 240، وكتب عمر بن عبد العزيز السامي المنتمي إلى سامة بن لؤي وهو صاحب البلد هنالك، يذكر أنه إن ولي البلد قام به وضبطه، فأجابه إلى ذلك، فأقام طول أيام المتوكل.

ووجه طاغية الروم برسل وهدايا، وكانت يسيرة، فبعث إليه بأضعافها، ووجه شنيفا الخادم وكان يقوم بإمنائه، فعقد له على الفداء، فقدم طرسوس سنة 241، وعامل الثغور أحمد بن يحيى الأرمني، وخرج إلى القنطرة اللامس، فنادى بالأسرى، وكان قد حمل من كل بلد من فيه من أسرى الروم، واشترى عبيد النصارى. وبنى المتوكل قصورًا أنفق عليها أموالًا عظامًا منها: الشاة، والعروس، والشبداز، والبديع، والغريب، والبرج، وأنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار.

وكان انقضاض الكواكب ليلة الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة 241، ولم تزل تنقض من أول الليل إلى طلوع الفجر وكانت الزلازل بقومس ونيسابور وما والاها سنة 242، حتى مات بقومس خلق كثير، ونالتهم رجفة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان، فمات فيها زهاء مائتي ألف، وخسف بعده مدن بخراسان، ونال أهل فارس في هذا الشهر شعاع ساطع من ناحية الفلروم ورهج أخذ بإكظام الناس، فمات الناس والبهائم، واحترقت الأشجار، ونال أهل مصر زلزلة عمت حتى اضطربت سواري المسجد، وتهدمت البيوت والمساجد، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة.

وعزم المتوكل على المسير إلى دمشق، ووصف له برد هوائها، وكان محرورا، فكتب إلى أحمد بن محمد بن مدبر يأمره باتخاذ القصور وإعداد المنازل، وكتب في إصلاح الطريق، وإقامة المنازل والمرافد، وسار من سر من رأى يوم الإثنين لعشر بقين من ذي القعدة سنة 243، ونزل دمشق يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة 244، فنزل تلك القصور، فأقام ثمانية وثلاثين يومًا.

وبلغه عن بعض الموالي من الأتراك أمر كرهه، فشخص عن دمشق إلى العراق، ولم يسافر في ولايته غير هذه السفرة إلا في نزهة، ولم ير في سفرته هذه شيئًا، ولا نظر في مصلحة أحد. وأصابت الشام كله زلازل حتى ذهبت اللاذقية وجبلة، ومات عالم من الناس، حتى خرج الناس إلى الصحراء، وأسلموا منازلهم وما فيها، واتصل ذلك شهورا من سنة 245.

وانتقل المتوكل إلى موضع يقال له الماحوزة على ثلاثة فراسخ من قصر سر من رأى وبنى هناك مدينة سماها الجعفرية، وحفر فيها نهرا من القاطول، ونقل الكتاب والدواوين والناس كافة إليها، وبنى فيها قصرا لم يسمع بمثله، وذلك في المحرم سنة 246.

وسخط على نجاح بن سلمة الكاتب وكان أغلب كتابه عليه بعد عبيد الله بن يحيى، وكان لا يزال يتنضخ بأموال الناس، فسلمه إلى موسى بن عبد الملك بن هشام صاحب ديوان الخراج، وإلى الحسن بن مخلد بن الجراح صاحب ديوان الضياع، وكانا قد ضمناه بألفي ألف دينار، فعذبه موسى بن عبد الملك أيامًا، فتوفي في يده، فقبضت ضياعه ودوره وأمواله، وكان ذلك في ذي القعدة سنة 246. وكان المتوكل قد جفا ابنه محمدًا المنتصر فأغروه به، ودبروا على الوثوب عليه، فلما كان يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة 247 دخل جماعة من الأتراك منهم: بغا الصغير وأوتامش صاحب المنتصر، وباغر وبغلو ويريد وواجن وسعلفة وكنداش وكان المتوكل في مجلس خلوة، فوثبوا عليه، فقتلوه بأسيافهم، وقتلوا الفتح بن خاقان معه.

وكانت خلافة المتوكل أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام، وسنة اثنتين وأربعين سنة، ودفن في قصره المعروف بالجعفري الذي كان سماه الماحوزة، وكان الغالب عليه الفتح بن خاقان، وعبيد الله بن يحيى الكاتب، وكان صاحب شرطة إسحاق بن إبراهيم، وبعده محمد بن إسحاق، وبعده محمد ابن عبد الله بن طاهر، وكان صاحب حرسه إسحاق بن يحيى بن معاذ، وبعده رجاء بن أيوب، ثم سليمان بن يحيى بن معاذ، وكان حجابه وصيفًا وبغا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت