المطلب الرابع: من فوائد حديث المعالجة [1] :
أول فائدة تتعلق بلفظ القرآن: هي أن الالتزام بجمع القرآن في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جريانه على لسانه كما قرأه جبريل - عليه السلام - .. لم يقف عند قراءة الألفاظ كما هي، بل تعدى ذلك إلى (بيان الألفاظ) بيانًا واضحًا مستمدًا من عربية اللسان من حيث العموم، وهيئة تلاوة القرآن من حيث خصوص كونه قرآنًا، فتأويل {ثُمَّ إنّ عَلْينَا بَيانَه} "بتفهيم ما أشكل عليك من معانيه" [2] قصرٌ لعامٍ بغير دليل، وتخصيص للمعنى بغير مخصص، على أن الأنسب والأوفق للمقام الكلام على اللفظ قبل المعنى"فإن الكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الأذن والقلب ومتعلق بهما، فسماع لفظه حظ الأذن، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب" [3] ، وكلاهما مراد بيانه، والأول أولى لأنه طريق إلى الثاني الذي هو الغاية من الأمرين، قال ابن كثير في قوله - سبحانه وتعالى - {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} :"أي بعد حفظه وتلاوته، نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا" [4] .
وثاني فائدة تؤخذ من هذه الآيات مما يتعلق باللفظ: أن الحفظ للألفاظ مقدم على استلهام المعنى وبيانه [5] ، وهي القاعدة المستنتجة من قوله - عز وجل - {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، فليس المعنى سابقًا للحفظ، والمراد ليس إيجاد المعنى إذ هو قبل اللفظ في حيز العدم والخفاء، وليس المراد استحضاره في الذهن، وهو يدل من جهةٍ أخرى على أهمية ضبط اللفظ، لا على ما زُعِمَ من أن المعاني الأولية هي المقصودة بقطع النظر عن قالبها، وهي ما سمي أصوليًا بالمعاني الثانوية [6] ، ثم كانت هذه التسمية، وذا التقسيم سببًا في التهوين من الجانب اللفظي للكلمات ... وبذا استبان غرور من ادعى سبق
(1) عدا ما تقدم في المطالب السابقة.
(2) حاشية الصاوي 3/ 354، مرجع سابق.
(3) تهذيب مدارج السالكين1/ 70، مرجع سابق.
(4) تفسير القرآن العظيم 4/ 383، مرجع سابق.
(5) وهو ما رجحه العلماء في فهم الآية كما سبق، على أن الترجيح فرع التضاد، ولا تضاد بحمد الله
(6) واستنتج البعض هذا من فهم خاطئ لكلام الإمام الشاطبي في الموافقات 2/ 66، مرجع سابق، فإنه إنما مهد بكلامه ذاك عن مسألة الترجمة للقرآن.