الاهتمام بالمعنى، وقد يُسَّلم في أن المعنى يسبق اللفظ من حيث الوجود النفسي، ولكن الكلام هنا عن معنى موجود في الخارج عُبّر عنه بلفظٍ ... فأنّى له أن يُعرف دون عبور ممره الموصل إليه وهو اللفظ؟، وهذا هو حال ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ لا يُعرف المعنى الذي يُريده الله - سبحانه وتعالى - في كلامه إلا بمعرفة لفظه، ولفظه هو - سبحانه وتعالى - لا لفظ غيره، وهذا على القول بأن {ثُمَّ} في قوله - سبحانه وتعالى - {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} للتراخي الزمني، إما على القول بأنها للتراخي الرتبي ... فلا تنخرم القاعدة كليًا لكنها تعدل بحيث يقيد بيان المعنى بملازمة إتقان اللفظ إذ هو طريقه.
ولعل هذا المعنى هو الذي يسوغ تعليم الصبيان ألفاظ القرآن، وتحفيظهم إياها، وإن لم يتقنوا معناها.
كما لا ينافي هذا التأويل ما أورده ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنه:"كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه فقال الله {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أن نجمعه لك {وَقُرْءَانَهُ} أن نقرئك فلا تنسى" [1] ؛ فإنها مؤيدة لما سبق مكملة له ففيها التأكيد على تكفل الله - عز وجل - بحفظ كتابه من حيث العموم، بالإضافة إلى ما نبأت به الروايات الأولى في هيئات حفظ كتابه من حيث الخصوص (خصوص التلقي في كل مرة) وانظر ما سيأتي في بند تكرار المحفوظ [2] .
المطلب الخامس: من دلالات الحديث الخاصة:
1 -تحريك الفم: فالقراءة النفسية لا وجود لها، أو لا تسمى قراءة عند الإطلاق [3] . ولا يعترض على هذا بأنه: منتقضٌ بأن القرآن ذِكْرٌ، فيكون في النفس، كالقول؛ إذ قال الله - سبحانه وتعالى: وَيَقُولُونَ
(1) تفسير الطبري 29/ 190، مرجع سابق.
(2) انظر: المبحث الثامن من هذا الفصل.
(3) ولذا بوب الإمام البيهقي في سننه الكبرى 7/ 350، مرجع سابق:"باب الرجل يطلق امرأته في نفسه ولم يحرك به لسانه".