وبين في رواية إسرائيل: (أن ذلك كان خشية أن ينساه، حيث قال: فقيل له {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} تخشى أن ينفلت) ، وأخرج بن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عن الحسن: (كان يحرك به لسانه، يتذكره، فقيل له: إنا سنحفظه عليك) ، وللطبري من طريق الشعبي: (كان إذا نزل عليه عجل يتكلم به من حبه إياه) ، وظاهره أنه كان يتكلم بما يلقى إليه منه أولا فأولًا من شدة حبه إياه فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النزول، ولا بعد في تعدد السبب" [1] ."
وتعدد السبب مع اتحاد المقتضَى (التحريك) موجب منهجيًا اعتماد تحريك الفم عند إرادة تحقيق أحد تلك البواعث (الخوف، والإشفاق، والحب) .
2 -أخذ النفس بالشدة في قراءة القرآن وحفظه:
أما في القراءة فحديث التعتعة: عن عائشة-رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهوعليه شاق له أجران) [2] ، والماهر لا تظهر مهارته إلا بعد الدُربة، فينهار بناء من بنى سهولة أخذ القرآن على عربيته أي أن حفظه سهل لمجرد كونه عربيًا، وعدم الحاجة إلى الكلفة في تعلمه؛ إذ قد اتضحت ضرورة الكلفة للقسمين المذكورين في حديث التعتعة.
وأما في الحفظ فظاهر ذلك في حديث المعالجة.
وأما في المراجعة ففي أحاديث التفلت [3] . فلا بد من أخذ النفس بشيء من الشدة في قراءة القرآن، وحفظه، ومراجعته.
والمقتضى المنهجي لهذه الشدة: إعطاء قراءة القرآن، وحفظه، وتلاوته، ومراجعته، حجمها الحقيقي دون هضم، أو تقليل من حجمها، إذ معظم الحالات الواقعة في حياة حفاظ القرآن فضلًا عن بقية أمة القرآن التهوين من ذلك إما تكاسلًا، أو تهاونًا، أو هروبًا من الإغراق في مفهوم البركة! فيقلل البعض من العزيمة في معالجة الوحي القرآني قراءة، أو حفظًا، أو مراجعة، لئلا يهول مفهوم البركة على مفهوم بذل الأسباب، أو الاطلاع
(1) فتح الباري 8/ 682، مرجع سابق.
(2) صحيح مسلم 1/ 549، مرجع سابق.
(3) انظر: المبحث الخامس من هذا الفصل.