ولا بد من التأكيد على ملاحظة بارزة في العرف القرآني لدلالة الإلقاء والتلقي، هي أن الإلقاء لم يستعمل في العرف القرآني إلا للأمر المحسوس، وهذا يعطي التصور الأولي لمفهوم إلقاء ألفاظ القرآن من جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فتذهب الظنون العلمية التي تنافي ذلك في مكانها من التوهمات المحضة.
التلقي في الوضع الاصطلاحي: هو عبارة عن الهيئة المنهجية الشرعية لتعليم الألفاظ القرآنية بأن يقرأ الشيخ الآية، ويتلقاها الطالب عنه بسمعه وفؤاده، فالتلقي بهذا هو العملية المكملة لعملية التلقين إذ التلقين من الشيخ، والتلقي من الطالب، كما قال البخاري -رحمه الله تعالى-:"قال معمر [1] : {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} "النمل/6"أي يلقى عليك وتلقاه أنت أي تأخذه عنهم، ومثله {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ... } "البقرة/37" [2] ."
وقال أبو عبيدة:"وتلا علينا أبو مهدي آية فقال: تلقيتها من عمي، تلقاها عن أبي هريرة - رضي الله عنه - تلقاها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في قوله - عز وجل - {وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلآّ الصَّابِرُونَ} "القصص/80": أي لا يُوفَق لها، ولا يُلَقَنُها، ولا يُرْزَقُها، وحاصله أنها تأتي بالمعاني الثلاثة، وأنها هنا صالحة لكل منها، وأصله اللقاء، وهو استقبال الشيء، ومصادفته" [3] .
فإذا قيل (الهيئة الشرعية لتعليم القرآن الكريم) ، أو أُطلق أحدهما (التلقي أو التلقين) دخل فيه الآخر ضمنًا.
فإن اعتُرض بالقول: لم لا يُستخدم مصطلح التعليم بدل التلقين؟.
فالجواب: أن التلقين أخص من التعليم، ووجه خصوصيته في غاية الأهمية في تعليم ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ: الفرق بين التعليم والتلقين:
1 -أن التلقين يكون في الكلام فقط، والتعليم يكون في الكلام وغيره، تقول: لقنه الشعر، ولا تقول لقنه التجارة والنجارة، والخياطة، كما يقال علمه في جميع ذلك.
(1) عنى بمعمر هنا أبا عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، انظر: مجاز القرآن، لا معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق.
(2) صحيح البخاري 6/ 2721، مرجع سابق.
(3) (أبو عبيدة) معمر بن المثنى ت 210 هـ: مجاز القرآن عند ذكر سورة البقرة 1/ 38، وسورة النمل 2/ 91، حققه د. محمد فؤاد سزكين، ط1، الخانجي الكتبي بمصر 1954م.