ابن عطية: أن في ذلك مزيد تحذير للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن العجلة لئلا يقع فيما لا ينبغي، كما وقع آدم - عليه السلام - [1] .
كان ذلك فحوى الأمر الإلهي.
والصورة التطبيقية لهذا قبل التوقيف القرآني على هيئة تلقي القرآن لاستشعار هذه المصدرية: تعجل النبي - صلى الله عليه وسلم - نزول القرآن واستكثاره منه، إذ ورد في تفسير قوله تعالى {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيهُ} ثلاث تفسيرات:
أحدها: أنها كقوله تعالى {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} .
والثاني: أنها نهيٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن استعجال نزول القرآن، لأنه ما يتنزل إلا بأمر ربه - عز وجل -، وليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمر شيء، ويدل له حبه - صلى الله عليه وسلم - للوحي، وتشوقه إليه، قال صاحب التحرير والتنوير:"لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على صلاح الأمة شديد الاهتمام بنجاتهم؛ لا جرم خطرت بقلبه الشريف عقب سماع تلك الآيات رغبةً، أو طلبةً في الإكثار من نزول القرآن، وفي التعجيل به إسراعًا بعظة الناس وصلاحهم، فعلمه الله - سبحانه وتعالى - أن يكل الأمر إليه" [2] .
والصورة التطبيقية بعد التوقيف القرآني على هيئة تلقي القرآن: هو استراحة النبي - صلى الله عليه وسلم - [3] من خوف تفلت القرآن منه - صلى الله عليه وسلم - بعد تكفل الله - سبحانه وتعالى - بعدم ذلك، والإكثار من دعاء {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، واتباع ما أوقفه القرآن من هيئات في حفظه، وعدم استعجال نزول القرآن عليه إذ لكل أجل كتاب، وإرجاع كل فضل ينزله الله - عز وجل - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - لمنزِله - عز وجل -، وقد قال أبو حيان -رحمه الله تعالى- في قوله - سبحانه وتعالى - {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} :
(1) (ابن عطية) أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 10/ 99، تحقيق وتعليق: عبد الله ابن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال السيد إبراهيم، ط1، 1406هـ - 1985م.
(2) التحرير والتنوير 19/ 316، مرجع سابق، ونقل الآلوسي -رحمه الله تعالى- نحوه عن الماوردي، وتراجع هذه المصادر لمعرفة التفسير الثالث.
(3) كما عبر ابن عباس - رضي الله عنه - في حديث المعالجة، انظر: المبحث السادس من هذا الفصل.