فكيف يبلغ الظن بمتابعة جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسائل الوحي عامة، ثم فيه حين يكون قرآنًا بصفة خاصة؟.
ثالثًا: الوزير: فقد كان جبريل - عليه السلام - وزير رسول الله الأول من أهل السماء؛ إذ روى الحاكم: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر) [1] ، ولئن اشترك مكائيل - عليه السلام - في وزارته مع جبريل - عليه السلام -، فإن جبريل - عليه السلام - يتميز في علاقته بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بأمور أخرى ... حسبه منها أن يكون المُكَلَّفَ بإبلاغه وتعليمه وحي السماء، ولئن كان في الحديث نظرٌ فإن قرائن الحال السابقة والتالية مما ذُكِرَ في البحث شاهدةٌ بصدق معناه، قال ابن الأثير -رحمه الله تعالى-:"وفيه (أميري من الملائكة جبريل - عليه السلام -) أي صاحبُ أمْرِى، وَوَلِيِّى، وكل من فَزِعتَ إلى مُشاورته ومُؤامَرتِه فهو أَميرك" [2] .
وكونه كان في مقام الوزير، لا يعني أنه الوزير المنفذ المتلقي للأوامر، بل كان كان كثيرًا ما يكون المشير الآمر شأن المعلم مع المتعلم، فقد كان ابن عباس - رضي الله عنه - يحدث أن الله-تبارك وتعالى- أرسل إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملَك: (إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًا، وبين أن تكون ملكًا، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل - عليه السلام - كالمستشير فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(بل أكون عبدًا نبيًا، قال فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئًا) [3] .
رابعًا: الناصح ابتداء: فلم يقتصر دور جبريل - عليه السلام - على المتابعة، بل كان يقوم بنصحه ابتداء: فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: جاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي
(1) سنن الترمذي 5/ 616، مرجع سابق، قال الترمذي:"حسن غريب"، قال الألباني:"ضعيف"، المستدرك على الصحيحين، قال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقد تمثلت هذه الوزارة في مظاهر كثيرة: منها: اشتراكهما في تغسيل قلبه، ومعالجته من مرضه، والسياحة به في عالم البرزخ ... .
(2) النهاية في غريب الأثر1/ 65، مرجع سابق.
(3) السنن الكبرى للنسائي 4/ 171، مرجع سابق.