وقد ورد لفظ الحفظ صريحًا موصوفًا به إيداع القرآن في الذاكرة في حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) [1] .
وورد موصوفًا به الغاية من عملية تلقي القرآن في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في نزول آيات القيامة [2] ، وهو معنى الجمع الوارد في سورة القيامة؛ إذ تفسيره بالحفظ هو قول جميع المفسرين حقيقةً أو حكمًا، واستخدم المسلمون هذه اللفظة فيما يثبت في الذاكرة، فعن عمر - رضي الله عنه - قال: (قام فينا النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه) [3] .
وقد صار الحفظ يطلق على ذلك، فصار حقيقةً عرفية لدى العلماء، ولذا بوب ابن حبان -رحمه الله تعالى- فقال:"ذكر استحقاق الإمامة بالازدياد من حفظ القرآن على القوم، وإن كان فيهم من هو أحسب وأشرف منه" [4] ، ثم شاع بعد ذلك حتى صار حقيقةً عرفيةً عند عامة المسلمين، فإن أطلق لفظ (حافظ) أو (حفظ) لم ينصرف لغير حفظ القرآن، وإن أُريد به غير القرآن لم يرد على ألسنة الخاصة والعامة إلا مقيدًا، فرسخ بذلك مفهوم الحفظ في الصدر عندهم كمرادف للقراءة من الذاكرة في خصوص القرآن الكريم، ولذا دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى حضهم على القراءة من المصحف التي أُطلِقَ عليها مؤخرًا مصطلح (القراءة نظرًا) ، فقال: (من سره أن يحب الله ورسوله؛ فليقرأ في المصحف) [5] . ولعل إطلاق الحفظ على القرآن المودع في
(1) صحيح مسلم1/ 555، مرجع سابق.
(2) انظر: حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص113.
(3) رواه البخاري 3/ 1166، مرجع سابق.
(4) صحيح ابن حبان 5/ 499، مرجع سابق.
(5) (أبو نعيم) أحمد بن عبد الله الأصبهاني ت 430 هـ: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 7/ 209، 1405هـ، دار الكتاب العربي - بيروت، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/ 234، مرجع سابق.