تعتبر بينها وبين مرحلة الاستظهار، والحراسة تقتضي المراقبة، والمراقبة جزءٌ من الحقيقة اللغوية لمادة حفظ، والحراسة والمراقبة ترتبط أعظم الارتباط بمفهوم الأمانة، ولأن القرآن المحفوظ بالصدر أمانةٌ؛ فإن لفظ (الحفظ) قد اتسع مفهومه ليشمل كلَّ أمانةٍ، ولذا بوب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-:"باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة" [1] .
وارتبط مفهوم الحفظ بحراسة المحفوظ من أن يعتريه خللٌ، أو يلج إليه دخلٌ صغر أو كبر؛ ولذا بوب البخاري -رحمه الله تعالى-:"باب حفظ اللسان" [2] ، وأورد أبو داود -رحمه الله تعالى- مجموعةُ أحاديث في ذلك، ومن حيث لفظ القرآن، فإن حفظه بهذا المعنى (الحراسة) يعنى التثبت من دقائق اللفظ، ومن ذلك ما رواه عروة بن الزبير -رحمه الله تعالى- في حديث قبض العلم: فقالت -عنى عائشة- يا ابن أختي! انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه، فجئته، فسألته، فحدثني به، كنحو ما حدثني، فأتيت عائشة، فأخبرتها، فعجبت، فقالت: (والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو) [3] .
3 -شموله للكلي والتفصيلي من حيث اللفظ: ففي قوله - سبحانه وتعالى - {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} "الانفطار /10 - 12"، فضمّن {يَعْلَمُونَ} معنى يكتبون؛ إذ تلك مهمتهم الأساسية [4] ، ومُسَلَّمٌ شمول ذلك للتفصيلي والإجمالي من الاسم الموصول الدال على العموم في قوله {مَاا} ، واستقرار هذا العموم مقتضٍ أن يشمل هذا الحفظ أصلَ اللفظ وطريقة أدائه،
(1) صحيح البخاري 5/ 2052، مرجع سابق، وبوَّب أيضًا: باب حفظ السر.
(2) صحيح البخاري 5/ 2376، مرجع سابق، ومن ذلك حديث سنن أبي داود 1/ 127، مرجع سابق: (فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم) ، وكذلك حديث سنن أبي داود 3/ 298، مرجع سابق: (فقضى أَنَّ حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها، وأَنَّ حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها، وأَنَّ على أهل الماشية ما أَصابت ماشيتهم بالليل) .
(3) صحيح البخاري 6/ 2665، مرجع سابق.
(4) لمعنى في غاية الأهمية هو أنهم يعلمون ما يكتبونه من مثقال الذر من خيرٍ أو شرٍ، فليست كتابتهم كتابةً عمياء يمكن معها خداعهم.