وما خرج عن هذا فالمفتاح في المُخْرِج له، ومن ثم فادعاء خروج الأداء عن الحفظ، أو عن تبليغ القرآن ادعاءٌ يفتقر إلى الدليل.
المطلب الثالث: هل كان الحفظ واجبًا على - صلى الله عليه وسلم -؟:
ويبقى بعد ما تقدم من تحليل لمدلول الحفظ: أن يجاب عن سؤال في هذا الباب هو: هل كان الحفظ لألفاظ القرآن واجبًا على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟.
الجواب:
نعم، كان واجبًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوبًا مقطوعًا به، والدليل على ذلك:
1 -أول سورة نزلت عليه هي سورة اقرأ باسم ربك [1] : فبدايتها {اقْرَأْ} ، فأنى له بالقراءة وقد قال ربه - عز وجل - عنه: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} "الشورى/52"، وذاك موجبٌ قراءته من حفظه، فقوله - سبحانه وتعالى: {اقْرَأ} أمر بالقراءة، والقراءة نطقٌ بكلامٍ معينٍ مكتوب، أو محفوظٍ عن ظهر قلبٍ، والأمر بالقراءة مستعملٌ في حقيقته من الطلب لتحصيل فعلٍ في الحال أو الاستقبال، فالمطلوب أن يقرأ ما سيُقرأ عليه، وفي حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في بدء الوحي: (فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده) [2] أي فرجع بالآيات التي قُرِئَتْ عليه ليحفظها لا ليكتبها أي رجع متلبسًا بها، أي بوعيها، وهذا يدل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلقى ما أوحي إليه، وقرأه حينئذٍ، ويزيد ذلك إيضاحًا قولها في الحديث ذاته (فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك) أي: اسمع القول الذي أُوحي إليه، وهذا ينبئ بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قيل له بعد الغطة الثالثة {اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ} الآيات الخمس كان قد قرأها ساعتئذٍ، كما أمره الله - سبحانه وتعالى -، أو حفظها
(1) هذا هو الاسم المشهور عند علماء التفسير، وكذلك على ألسنة الصحابة.
(2) صحيح البخاري 1/ 3، مرجع سابق.