على الأقل، ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها، وعلى هذا يكون قول الملك له في المرات الثلاث {اقْرَأ} إعادةٌ للفظ المنزل من الله - عز وجل -، إعادةَ تكريرٍ للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل [1] ، ولم يُذْكَر لفعل {اقْرَأ} مفعولٌ؛ إما لأنه نُزِّل منزلة اللازم، وأن المقصود أوجد القراءة، وإما لظهور المقروء من المقام، وتقديره: اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن [2] .
فإن اعتُرِض بأن: القراءة تتحقق القراءة بكلمةٍ وكلمتين، وآيةٍ وآيتين، وسورةٍ وسورتين، فأين وجوب قراءته عليه كله، ومن ثم فأين وجوب حفظه عليه كله؟.
فالجواب مما سيأتي:
2 -أميته - صلى الله عليه وسلم: فهو {الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ... } "الأعراف/157"، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (إنا أمةٌ أميةٌ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين) [3] ومن كان ذا شأنه فهو يحفظ، فلو لم يؤمر بالقراءة لكانت أميته كافيةً في وجوب الحفظ عليه.
ولذا كانوا يعتمدون على حفظهم للسنن النبوية؛ فقد دخل زيد بن ثابتٍ - رضي الله عنه - على معاوية - رضي الله عنه - فسأله عن حديث، فأمر إنسانًا يكتبه، فقال له زيد: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه) [4] ، فما هم فاعلون في كلام رب البرية - عز وجل -؟.
3 -مقتضى إرساله، وحقيقة وظيفته - صلى الله عليه وسلم - وهو التبليغ، ورأس ما يبلغه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وقد قال ربه - سبحانه وتعالى: { ... بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... } "المائدة /67" { ... إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ ... } "الشورى/48"، ولا يكون مبلغًا رسالة ربه وهو
(1) وهذا المعنى لا ينافي غيره من المعاني التي لا تتضاد.
(2) انظر: التحرير والتنوير 30/ 434، مرحع سابق.
(3) صحيح البخاري 2/ 675، مرجع سابق.
(4) سنن أبي داود 3/ 318، مرجع سابق، وفي مسألة النهي عن كتابة حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، انظر: تدريب الراوي 2/ 234، مرجع سابق.