لم يُحِط بالقرآن حفظًا، أنى، وقد قال ربه - عز وجل: { ... وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... } "المائدة /67"... وقول الله - سبحانه وتعالى: { ... وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ... } "الأنعام/19"قاطعٌ لكل خطيب في هذه المسألة.
4 -قوله - عز وجل: { ... وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ... } "التوبة / 6": وبين هذا الدليل وبين الدليل الثاني عمومٌ وخصوصٌ مطلق، فلا يَرِدُ عليه التكرار.
5 -قوله - سبحانه وتعالى - {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} "الأعلى /6"، فإنه مقتضٍ إعانة الله - عز وجل - له على الحفظ، المستلزم وجوبه عليه، وتزداد قوة الحفظ كلما ازدادت أهمية المحفوظ، وليس هناك ما هو أكثر أهميةً في حياة المسلم من أهمية القرآن الكريم بَلْهَ المسلم الأول بَلْهَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنه: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته) [1] ، فكيف لو جمعت هذا إلى ما تكفل الله - سبحانه وتعالى - به من جمع القرآن في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأي حافظةٍ تلك التي ستُرى؟.
6 -قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} "القيامة /17": ومعنى الجملتين {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} : إن علينا جمع الوحي، وأن تقرأه، وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك، أي نتكفل لك بأن يكون جمعه وقرآنه بلسانك، أي عن ظهر قلبك لا بكتابةٍ تقرؤها، بل أن يكون محفوظًا في الصدور، مبينًا لكل سامع، لا يتوقف على مراجعةٍ، ولا على إحضار مصحفٍ من قرب أو بعد. فالبيان هنا بيان ألفاظه ليس بيان معانيه لأن بيان معانيه ملازم لورود ألفاظه [2] ... .
فبعد إلقاء جبريل - عليه السلام - القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حفظه في صدره، ويسهل إدراك أن قوله - سبحانه وتعالى - {فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} بمعنى أن تقرأه [3] ، لا يراد منه القراءة من الأوراق، ولا من المصحف بل
(1) الجامع لآداب الراوي والسامع2/ 312، مرجع سابق.
(2) انظر: التحرير والتنوير 29/ 350، مرجع سابق، وانظر: تحليل آيات القيامة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص116.
(3) تقدم شرح الآية في حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص116.