ب - ما شرفت الأمة بالتكليف به؛ إذ هي وارثة الكتاب، وقد قال الله - سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... } "فاطر/32"، ولئن استُحْفِظَ أهل الكتاب السابقين على ما نزل إليهم، لذاك كائنٌ أوجب في حقنا، وقد قال الصاوي -رحمه الله تعالى-:"... سيما، وقد جعل الله له خَدَمَةً من البشر يحفظونه" [1] ، وقال صاحب التحرير والتنوير:"حتى حفظته الأمة عن ظهور قلوبها من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -" [2] ، بيد أن هذه الأمة المشرفة قد ميزها الله - سبحانه وتعالى - بتوليه حفظ الكتاب بذاته، وواضحٌ عدم المنافاة بين ذلك وإيجاب حفظه على الأمة، بل وجوب حفظه على الأمة هو أول أدلة واقعية الحفظ الإلهي له ... .
وقد اتضح وجه الدلالة: من الآية على وجوب حفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن هو: دخوله في الأمة دخولًا أوليًا [3] .
8 -قوله تعالى: { ... وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} "طه/114".
وجه الدلالة: حرصه - صلى الله عليه وسلم - على حفظ القرآن، مع تكليفه بالرسالة، يستلزم وجوب حفظ القرآن عليه
9 -بقاؤه - صلى الله عليه وسلم - أميًا [4] : وذا دالٌ على وجوب ملازمة حفظه لكتاب الله - سبحانه وتعالى -، للزوم استظهاره، واستدعائه متى لزم الأمر، لأداء رسالة الله - عز وجل -
(1) حاشية الصاوي وبهامشه تفسير الجلالين 2/ 314، مرجع سابق.
(2) التحرير والتنوير 14/ 20، مرجع سابق.
(3) وذلك بغض النظر عن الخلاف في القاعدة الأصولية في دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطاب أمته، وتأتي الإشارة إليها بعد ق ليل.
(4) وما ذهب إليه البعض من تعلمه الكتابة بعد نبوته فشذوذٌ قد نُهِيَ أولوا النهى من طلبة العلم عن تتبعه، على أن كثيرًا من الشذوذ لا يُروى على وجهه، بل ينقل على الهوى العقلي أو العاطفي لناقله. ويوضح ذلك من حيث خصوص موضوعنا ما قاله ابن كثير في تفسيره 3/ 4، مرجع سابق:"وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دائمًا، إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة، ولا يخط سطرًا، ولا حرفًا بيده بل كان له كُتَّابٌ يكتبون بين يده الوحي والرسائل إلى الأقاليم، ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه - عليه السلام - كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخارى:"ثم أخذ فكتب"، وهذه محمولة على الرواية الأخرى:"ثم أمر فكتب"، ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا، وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل -أعني الباجي- فيما ظهر عنه أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يُحْسِن الكتابة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - إخبارًا عن الدجال (مكتوب بين عينه كافر) ، وفي رواية (ك ف ر يقرؤها كل مؤمن) ، وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت - صلى الله عليه وسلم - حتى تعلم الكتابة فضعيفٌ لا أصل له، قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو"العنكبوت/48"أي تقرأ {مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} لتأكيد النفي {وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} تأكيد أيضًا، وخرج مخرج الغالب، كقوله تعالى {ولا طائر يطير بجناحيه} "الأنعام/38"، وقوله تعالى {إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله، مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} "الفرقان/5"قال الله - سبحانه وتعالى - {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} "الفرقان/6"الآية، وقال هاهنا: {بَلْ هُوَءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} "العنكبوت/49"أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظًا وتلاوة وتفسيرًا، كما قال - عز وجل - {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} "القمر /17"، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما من نبيٍ إلا وقد أُعْطيَ ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا ... ) ". والحديث الأخير رواه البخاري 6/ 1607، مرجع سابق.