فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 360

(يعجل به يريد أن يحفظ) ، والحفظ منصرفٌ هنا للفظ إذ لو كان المراد المعنى لما احتاج لذاك الإجهاد.

13 -ومما يدل على وجوب حفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، حفه بالعوامل المساعدة على الحفظ، مثل تنجيم القرآن، وترتيله؛ وهو ما صرح به صاحب التحرير والتنوير حيث قال في فوائد الترتيل:"وفائدة هذا: أن يرسخ حفظه، ويتلقاه السامعون، فيعلق بحوافظهم، ويتدبر قارئه، وسامعه معانيه، كي لا يسبق لفظ اللسان عمل الفهم" [1] ، وهو تصريحٌ بأن عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ضبط الاثنين: لفظ اللسان، وعمل الفهم.

ومن هذه العوامل المساعدة على الحفظ: التنبيه ابتداءً على صعوبة المحفوظ من حيث اشتماله على معانٍ غير متوقعة، ولا معتادةٍ في تفاصيلها، لئلا يدور بخلد الذي يريد الحفظ وهو (النبي) - صلى الله عليه وسلم - أولًا أنها معتادة فاللسان لن يضيعها؛ فيتأهب له، ويقدره حق قدره، كما قال - عز وجل - {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} "المزمل /5"، والثقل الموصوف به القول ثقلٌ مجازي لا محالة مستعارٌ لصعوبة حفظه؛ لاشتماله على معانٍ ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه، فيكون حفظ ذلك عسيرًا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمي، تنوء الطاقة عن تلقيه، فقد مهد لهذه الحقيقة بأوامر هي وسائل لتحقيق مقتضاها: من قيام ليلٍ، وترتيل قرآنٍ، فقوله - سبحانه وتعالى: {إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلًا} "المزمل /5"تعليلٌ للأمر بقيام الليل [2] .

12 -الترهيب من نسيان القرآن: وإن لم يصح في عقوبةٌ ذلك حديث مرفوع [3] ، فقد دخل في عموم قوله - سبحانه وتعالى: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ

(1) التحرير والتنوير 29/ 317، مرجع سابق.

(2) انظر: التحرير والتنوير29/ 164، مرجع سابق، ولا ينافي هذا تيسير القرآن للذكر؛ إذ هو كذلك بالنظر إلى أنه الحق الصالح برغم صغر حجمه لكل زمانٍ ومكانٍ هاديًا في كل مجال، وهو كذلك بالنظر إلى من اتبع قواعده في أسلوب حفظه، ولذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعاهده فهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها.

(3) لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 9/ 86، مرجع سابق:"قد أخرج بن أبي داود من وجهٍ آخر مرسل نحوه ولفظه: ( ... أعظم من حامل القرآن وتاركه) -في معرض التهديد بأكبر الذنوب- ومن طريق أبي العالية موقوفًا: (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه حتى ينساه) وإسناده جيد، ومن طريق ابن سيرين بإسنادٍ صحيح في الذي ينسى القرآن: (كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولًا شديدًا) ، ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: (من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم) وفي إسناده أيضًا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم الروياني، واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به، والتهاون بأمره ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت