فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 360

ذلك بقاء الشبهة تفعل فعلها في نفوس الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم؛ إذ لا يزال ترددهم باقيًا إلى أن تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، ولا يخل شكهم هذا بالوثوق بالقرآن عند الذين آمنوا والذين أوتوا العلم.

وبهذا التأويل يظهر مقدار جلالة السلك البديع الذي انتظمت فيه هذه الآيات [1] ، ووَهَى ما أُولِع به بعض المفسرين الذين يميلون إلى الإكثار من الغرائب من إيراد قصة الغرانيق ... مع أنَّ ضعفها واضح سندًا ومتنًا [2] ، فلا يشتغل البحث بإيرادها، مكتفيًا بالإحالة على موارد ذلك في الهامش [3] . وليس في هذا اتهامٌ للمفسرين الذين أوردوا هذه القصة؛ لأنه ليس كلهم أورد هذه القصة، ووقوع بعضهم في الغلط

(1) وهو التفسير الذي رجحه بل فسر به هذه الآيات عددٌ من المفسرين منهم: الطاهر بن عاشور 17/ 299، مرجع سابق، والآلوسي 17/ 257، مرجع سابق، وأبو حيان 6/ 382، مرجع سابق، ونحوه أبو السعود 4/ 34، مرجع سابق.

(2) على أنه يقال تنزلًا: لو صحت هذه القصة فإنه يسري عليها ما ذكر هاهنا من وسائل الاجتثاث للأمر المعنوي، إذ سريانه على الأمر اللفظي أولويٌ، كما يكون الجواب عنها بما ذكر قبل وبعد، وبما أجاب به عنها من قالوا بصحتها.

(3) انظر: التحرير والتنوير 17/ 306، مرجع سابق، وردها البيهقي وقال:"هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل"، ورده القاضي عياض في الشفا 2/ 117، مرجع سابق، وقال:"وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيحٍ وسقيم"، وقال الآلوسي 17/ 263، مرجع سابق:"وفي كتاب (الأتقياء) لأبي منصور الماتريدي: أن قوله (تلك الغرانيق العلى) من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين، ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئةٌ من هذه الرواية"، وذكر الآلوسي أوجه ردها، بعد أن فسرها بما يشبه التفسير الذي ارتضاه الباحث، وأورد هذه القصة: ابن حجر في فتح الباري 8/ 441، مرجع سابق كالمؤيد لثبوت أصلها؟! وقال:"وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيفٌ، وإما منقطعٌ، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا"، ... . ورد على عياض وابن العربي إبطالهما لأصل القصة، وقال في نقدهما لها:"وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن لها ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض ... ثم تأول من ظاهِرِها -بعد أن سلم بأن لها أصلًا- ما يستحيل كقولهم فيها: ألقى الشيطان على لسانه ... وهذا فيه غرابةٌ من حيث عدم تطبيق موازين المتن بعد تطبيق موازين السند، والقصة أوردها ساكتًا بل مقررًا السيوطي -الذي يجعل ابن حجر مثله الأعلى- في شرح سنن ابن ماجة، وابن الأثير في النهاية 3/ 364، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص179، مرجعان سابقان، قال الآلوسي -رحمه الله تعالى-:"وذهب إلى صحة القصة أيضًا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني"، ثم قال تعقيبًا على كلام الكوراني:"لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد ... وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمةٍ قليلةٍ بصحة الخبر المنافي لها مع قول جمٍ غفيرٍ بعد الفحص التام بعدم صحته مما لا يميل إليه القلب السليم ولا يرتضيه ذو الطبع المستقيم ... -ثم قال-: وتوسط جمعٌ في أمر هذه القصة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني، ولم ينفوها بالكلية، وإليه أميل"وقال ابن كثير3/ 204، مرجع سابق:"ولم أرها مسندةٌ بوجهٍ صحيحٍ". وقال الشوكاني في فتح القدير 3/ 577، مرجع سابق:"ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجهٍ من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} "الحاقة/44 - 46"، وقوله {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} "النجم/3 - 4"، وقوله {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} "الإسرا/74"، فنفى المقربة للركون فضلًا عن الركون، وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة"، وقال أبو حيان 6/ 382، مرجع سابق ناقدًا إيراد المفسرين لها:"وقد ذكر المفسرون في كتبهم ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوبًا إلى المعصوم صلوات الله عليه ... وهي قصةٌ سئل عنها محمد بن إسحاق جامع السيرة فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابًا"، وقد ألف الشيخ الألباني كتابًا في هذا الباب هو:"نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت