فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 360

3 -لأن مشكلة النسيان مشكلة فطريةٌ تتعلق بخلق الإنسان فقد ربط القرآن الكريم بينها وبين القوانين التي وضعها خالق الإنسان في الكون، ثم في الإنسان، ومن هنا ندرك سرًا من أسرار الاستهلال في سورة الأعلى بجذب النظر إلى الآيات الكونية، وخلق الله - سبحانه وتعالى - لها، ثم تحكمه بها، فمتى ما شاء اطردت تلك القوانين، ومتى ما شاء منعها من الاطراد، وعطلها عن السريان؛ فإذا أراد الإنسان التخلص من مشكلة النسيان، فليسبح باسم ربه الأعلى الذي بيده مقاليد أمر الخلق، وأسبابه، وقوانينه، والذي تعالى عن أن يحكمه شيء، أو يعجزه أمر؛ إذ يغدو القضاء على مشكلة النسيان آيةٌ في ذاته تخالف قوانينها، القوانين المألوفة عند البشر، وإن كانت تسير وفق قوانين أخرى في ذاتها [1] ؛ وإذ هي كذلك آية فلا بد لتحقيقها من إذن الله - جل جلاله - الذي يشمل أمره الابتدائي وإذنه المستمر {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأتِي بِآيةٍ إلا بِإذْنِ الله ... } "غافر/78"، والافتتاح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يسبح اسم ربه بالقول، يؤذن بأنه سيلقي إليه عقبه بشارةً وخيرًا له، وذلك قوله - عز وجل - {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} الآيات، ففيه براعة استهلال [2] ، وفيه قال القرطبي:"وهذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل - عليه السلام - ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أميٌ لا يقرأ، ولا يكتب، فيحفظه ولا ينساه" [3] ،"وهي بشرى لأمته من ورائه، تُطَمْئِنُّ بها إلى أصل هذه العقيدة؛ فهي من الله - عز وجل -، والله كافلها وحافظها في قلب نبيها" [4] .

وفي هذا تأكيدٌ على المصدرية الإلهية.

4 -ولإزالة أي آثارٍ تشكيكيةٍ نابعةٍ من احتمال نسيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لشيءٍ من الوحي، فقد قُطِّعتْ أنواط هذه المشكِّكِات بتقعيدين: عامٍ وخاصٍ:

فأما العام فهو: عصمة الشرع الإسلامي المطهر من غوائل النقص، والتغيير، والنسيان، من حيث كونه شرعًا إلهيًا خاتمًا تكفل منزله بالحفاظ

(1) قرر الإمام الشاطبي في الموافقات أن الخوارق ليست خارجةً عن جملة قوانين الكون، وإن كانت خارجةً عن مألوف القوانين المعروفة لنا، انظر الموافقات 1/ 374، مرجع سابق عند كلامه على الأحكام الوضعية.

(2) انظر: التحرير والتنوير 30/ 272، مرجع سابق.

(3) تفسير القرطبي20/ 18، مرجع سابق، ونحوه في الكشاف4/ 204، مرجع سابق.

(4) ظلال القرآن 6/ 3892، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت