الفاعل فيكون معناه (الجامع) ، أو اسم المفعول فيكون معناه (المجموع) ، وهذا اللقب لا يعني فقط أن هذا المسمى جامع للسور والآيات، أو أنه مجموع تلك السور والآيات من حيث هي نصوص مؤلفة في صفحات القلوب، أومن حيث هي نقوش مصفوفة في المصحف والألواح، أو من حيث هي أصوات مرتلة منظومة على الألسنة، بل يعني شيئًا أدق من ذلك كله، وهو أن هذا الكلام قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حشدت فيه كتائب الحكم والأحكام؛ كما قال - عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} "النحل / 89".
وأكد أبوبكر الأنباري -رحمه الله تعالى- ذلك بقوله - سبحانه وتعالى - {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} "القيامة / 18"، إذ قال في معناه:"إذا ألفنا منه شيئًا، فضممناه إليك، فخذ به، واعمل به، وضمه إليك" [1] ؛ إذ إن التأليف هو جمع كائن هاهنا بالألفاظ وهو التلاوة، وبالنقوش وهو الكتابة [2] . وهذا هو المطلوب الثالث.
واستلزام الجمع التلاوة في مادة (قرأ) كاستلزام الجمع الكتابة في مادة (كتب) ، وبذا اجتمع على سلكٍ واحدٍ المعنى الذي ارتضاه الطبري للقراءة وهو التلاوة، والمعنى الآخر الذي نسبه إلى قتادة، وهو التأليف فلا يكون-بعد- لقوله -رحمه الله تعالى-:"ولكلا القولين، أعني قول ابن عباس - رضي الله عنه - وقول قتادة اللذين حكيناهما وجهٌ صحيحٌ في كلام العرب، غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} "القيامة / 17 - 18"، قول ابن عباس - رضي الله عنه -" [3] -مكانٌ في قوانين
(1) (الأنباري) أبو بكر محمد بن القاسم: الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 71، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، اعتنى به: عز الدين البدوي النجار - ط1 ن 1412هـ - 1992م، مؤسسة الرسالة - بيروت.
(2) هذا استطرادٌ -لا يذم-في معنى كتب بجانب قرأ ليتضح معنى الكتاب إلى جانب القرآن من حيث دلالة قرأ على الجمع القرائي، ودلالة كتب على الجمع الخطي.
(3) تفسير الطبري 1/ 42، مرجع سابق.