فقد تقرر أن لفظة (قرآن) مصدرٌ مشتق من (قرأ، أو قرن) صار علمًا شخصيًا على ذلك الكتاب الكريم [1] ، وهما القولان العامان.
كما تقرر على القول الاشتقاقي الأول، والثاني، والثالث، والرابع أن القرآن مأخوذ في أصل معناه من الجمع والضم [2] (وهو القرن) ، لكنه جمعٌ مخصوصٌ لجملة أصواتٍ خارجةٍ من مخارجها، تصير بضمها وجمعها لبعضها قرآنًا، ويسمى النطق بها تلاوة، فهي نوعٌ خاصٌ من القراءة، صارت مقترنة بالقرآن، وهذه الأحرف تخرج مُظْهَرَة، مُبَيَّنة، مُحْدَدة كما حددها الشارع [3] ، وهو القول الاشتقاقي الخامس.
وبهذا يكون أصل التفكير في الأصل اللغوي لكلمة (قرآن) قد اتحد، وإن اختلفت عبارات المعبرين عنه، وهو معنى الجمع والضم، ولكن بعضهم عبر عن ذلك بما يؤول إليه جمع الحروف، وقَرْنِها ببعضها عند نطق القارئ بها في خصوص القرآن فسماه تلاوة، وبعضهم نظر إلى أن حروف القرآن لا تكون كذلك حال التلفظ بها إلا أن تخرج محددة مُبَيَّنة مُظْهَرة، فجعل الاشتقاق آتيًا من ذلك.
ولمعرفة الأصل التفكيري في اشتقاق هذه الكلمة أهمية بالغة، كان ما سبق أول ملامحها.
(1) هاهنا إشكالان: أولهما: متعلقٌ بصحة التعبير في هذه الجملة؛ إذ لا يقال مصدرٌ مشتقٌ على مذهب البصريين السائد، مع اتفاقهم على أن المصدر جامد، وهو أصل المشتقات. قال الحريري في ملحة الإعراب:
والمصدر الأصل وأي أصل ... ومنه يصح اشتقاق الفعل
إلا أن يراد بالاشتقاق هنا معنى أعم من الاشتقاق الاصطلاحي، وهو رد لفظة إلى لفظة
وثانيهما: إن قررنا أن القرآن علم فكيف يجتمع ال والعلمية في كلمة ... ويجاب عليه بأنه لا إشكال فقد قال ابن مالك: وبعض الأعلام عليه دخلا ... للمح ما قد كان عنه نقلا.
كالفضل والحرث والنعمان ... فذكر ذا وحذفه سيان.
انظر: نثر الورود1/ 88 - 89، مرجع سابق.
(2) وصرح ابن الأثير في النهاية بذلك فقال:"قد تكرر في الحديث ذِكر القَراءة، والاقْتراء، والقارِئ، والقُرآن، والأصل في هذه اللَّفظة الجمعُ، وكلُّ شيء جَمعْتَه فقد قَرَأتَه ..."، انظر: (ابن الأثير) المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير الجزري: النهاية في غريب الأثر 3/ 358 مراجعة طاهر أحمد الزاوي + محمود محمد الطباخي، 1399هـ - 1979م، دار الفكر - بيروت.
(3) هذا هو أصل فكرة التوقيف.