فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 360

وأما ثانيًا: فإن كون الخطاب الشرعي واردًا بأصل الوضع العربي، فتفهم مفرداته من خلال مقتضيات الدلالة في اللغة العربية [1] ... يسوغ لنا -إن لم يحتم علينا- أن ننظر في مقتضيات الدلالة اللغوية لمادة (قرأ) ، ونعتمد تلك الدلالات كحقائق ما لم يخصصها ... -تعديلًا أو إلغاء- قرين شرعي.

فمن ذلك: أن كون (قرآن) قد صارت علمًا شخصيًا يحتم قراءة ألفاظها، وفق خصوصيتها، ولا تصح فيها كل قراءة يطلق عليها قراءة.

وأما ثالثًا: فإن كلمة (قرآن) تدل في أصل معناها على الجمع كما سبق، وهذا يقتضي أن تكون الحروف مجموعة في كلمتها حال النطق، فلا يجوز نطق كل حرف في الكلمة مستقلًا عن قرينه في الكلمة ذاتها، كما لا بد من قدر من اجتماع الكلمات أثناء التلاوة، ويُحَدِّد هذا القدرَ التلقينُ الشرعي الذي هو أساس الأداء القرائي، ويُبْنى على هذا أن قراءة القرآن حرفًا حرفًا -على معنى الحرف الهجائي- أي لكل حرف على حدة باطلة، وكذا القراءة لكل كلمة على حدة باطلة -من حيث هي قراءةٌ للقرآن- إلا أن تصح لصارف خارجي [2] ؛ إذ لا يسمى ذلك قرآنًا لمنافاته المقتضى اللغوي لمادة (قرآن) . وصرح بما يشبه هذه النكتة الإمام التفتازاني -رحمه الله تعالى- فقال:"يدخل في الحد -يعني تعريف القرآن- الحرف، أو الكلمة، ولا يسمى قرآنًا في عرف الشيوع" [3] ، ذلك بأنه لم يجمع إلى غيره.

ومن جهةٍ أخرى فإن لفظة الجمع، ومعنى (الجامع) و (المجموع) على ما تقرر سابقًا يقتضي بطلان قراءة الآيات أو الكلمات معكوسة حروفها إذ لم تنزل -من حيث هي قرآن- إلا بهذه الهيئة المعينة من الجمع فجمعها على غير ذلك مبطل لكونها قرآنًا، وجاز تقديم بعض السور على

(1) انظر: الموافقات في أصول الشريعة 2/ 89، مرجع سابق، عند الكلام على مقاصد الشريعة في وضع الشريعة للإفهام.

(2) كأن تكون الكلمة آية بأكملها {مُدْهَامَّتَانِ} "الرحمن/64"، والمراد بالكلمة هاهنا: الكلمة العرفية، وهي ما التصقت حروفه، لا المعنى النحوي ... .

(3) (التفتازاني) سعد الدين مسعود بن عمر الشافعي - ت792 هـ: التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه - ضبطه، وخرج آياته، وأحاديثه: الشيخ زكريا عميرات ط1، 1416هـ -1996م، دار الكتب العلمية، بيروت، وتزيد الثقة بصحة هذا المستَنْتَج بتصريح العلماء بنظيره في الناحية المعنوية، حيث قالوا: لم يسم قرآنًا إلا لجمعه ثمرات الكتب السالفة، وقال ابن الأثير: لأنه جمع القصص، والأمر، والنهي، والآيات، والسور بعضها، إلى بعض ... فإن كان هذا في الناحية المعنوية، فليكن كذلك من حيث اللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت