بعض لأنها قد أُنزلت كذلك مقدمًا بعضها على بعض، ثم تُلقيت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع جواز تقديم بعضها على بعض نقلًا، بخلاف الآيات أو الكلمات.
وأما رابعًا: فإن قراءة القرآن غير كائنةٍ في حقيقتها قراءة للقرآن إلا إذا اقترنت باللفظ ... وذا يستلزم الصوت، فكان لابد من الصوت في قراءة القرآن سواء كان خفيًا أو جهريًا. وأُخِذَ هذا المستَنْتَج مما أورده ابن منظور في لسان العرب، حيث قال:"معنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا أي ألقيته" [1] .
وأما خامسًا: فالقراءة الحقيقية للقرآن من حيث هي قراءةٌ للقرآن هي التي يكون الصوت فيها مجهورًا مسموعًا، ولا يرد على هذا الأصل ورود القراءة السرية في الشرع؛ ذلك أنه لا إشكال في تسميتها قراءة، لكن لا يطلق عليها هذا الإطلاق إلا وهي مقيدة به، أما مطلق القراءة دون قيد فتصرف إلى القراءة المجهور بها، ويدل على هذا الأصل حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أُمِر، وسكت فيما أُمِر
{ ... وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} "مريم / 64"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ ..."الأحزاب/ 21"، وأوله: (سمع قومًا يتقارؤون) [2] ، معناه: أنه كان لا يجهر فيها، أو لا يُسْمِعُ نفسه قراءته، وقال ابن منظور:"كأنه رأى قومًا يقرؤون فيسمعون نفوسهم ومن قرب منهم" [3] .
فأشعر الكلام بمنطوقه أن المخافتة في قراءة القرآن ليست هي الأصل، بل تكون مقيدة بالمخافتة عند طلبها لتكون كذلك ... ويبقى هذا
(1) لسان العرب22/ 78، مرجع سابق، وفي 11/ 80 منه:"قال أبو إسحاق النحوي: وقرأت القرآن لفظت به ... مجموعًا".
(2) صحيح البخاري 1/ 268، مرجع سابق، والذي عند ابن منظور لفظه: (كان لا يقرأ في الظهر والعصر) .
(3) لسان العرب11/ 79، مرجع سابق، وهو ما قرره ابن الأثير في معناها، انظر النهاية 3/ 123، مرجع سابق.