فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 360

الاستنتاج بحاجة إلى غربلة وقوة بحث ليكون كسابقيه [1] ، من حيث قوة الثبوت [2] .

وأما سادسًا: فمن المقتضيات اللغوية الهامة لمادة قرأ من حيث هي متعلقة بألفاظ القرآن الكريم: حتمية البيان ليعتد بالخارج من الفم قرآنًا، فلا يكفي اللفظ (مجرد التصويت) حتى يقترن بالبيان في القراءة، وهذا يستفاد لغةً من القول الاشتقاقي الخامس، ونقلًا من قول ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - جل جلاله - {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}

"القيامة/18":"فإذا بيناه لك بالقراءة فاعمل بما بيناه لك" [3] .

وهذا تقعيدٌ حسنٌ للتجويد من حيث أنه مخارجٌ وصفاتٌ ذاتية، أي من حيث إعطاء الحرف حقه، كما أنه رافد لاقتضاء لفظة (القرآن) ذاتيًا لأداء محدد من قبل الشارع، وقد تظاهرت عبارات أهل العلم على دلالة لفظ (القرآن) على هذا المعنى، فأورد ابن القيم - رحمه الله تعالى- ذلك في الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن [4] ، وقال في زاد المعاد:"وأما المهموز -عنى مادة قرأ- فإنه من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد، ومنه قراءة القرآن؛ لأن قارئه يظهره ويخرجه مقدارًا محدودًا لا يزيد ولا ينقص، ويدل عليه قوله - سبحانه وتعالى - {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} "القيامة/17"، ففرق بين الجمع والقرآن، ولو كان واحدًا لكان تكريرًا محضًا، ثم استدل بقول ابن عباس - رضي الله عنه - السابق [5] ، وهو الذي ختم عليه الآلوسي -رحمه الله تعالى- بطابع"

(1) لعل في قوله - سبحانه وتعالى - {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} "الإسراء/ 110"إشارةٌ إلى هذه المسألة. وغير خافٍ أن الجهر المتحدَث عنه هو المعتدل لا المزعج المستقبَح، ثم هو في كل حالٍ بحسبه. انظر: روح المعاني15/ 278، مرجع سابق.

(2) وتقدم في الفصل الرابع ص232 أن أول أسس حفظ القرآن حفظه في الصدر، وقد تقرر أن القراءة المجهورة هي المناسبة للفظ والفهم، في حين تقتصر القراءة الخفية على قدر من الفهم فحسب غالبًا. انظر: مقال (ظاهرة النسيان) مجلة البيان، العدد 105، جمادى الأولى1417 هـ.

(3) انظر حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث، وانظر: لسان العرب1/ 79، مرجع سابق.

(4) انظر: (ابن القيم) شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر: الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن 333، 1987م، دار مكتبة الهلال، بيروت. لكنه خص الإظهار والبيان لشيء معنوي ههنا حيث قال:"البيان لأنه أظهر سائر العلوم المحتاج إليها في أمر الدين والدنيا وجمع بينهما ..."فليكن ذلك اللفظ حيث خصه بالمعنى دون مخصص ... .

(5) (ابن القيم) شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر: زاد المعاد في هدي خير المعاد5/ 635، حقق نصوصه وخرج أحاديثه، وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، ط8، 1405هـ -1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت. ويُلاحَظُ أنه عتب على أبي عبيدة -قال:"لزعمه أن القرآن مشتقٌ من الجمع"، ولا عتب على أبي عبيدة ولا ملامة؛ إذ إن تفريق ابن القيم بين (قرى) المعتل و (قرأ) المهموز فيه نظر؛ فإن ابن فارس قد قال بعد كلامه عن المعتل:"فإذا همز هذا الباب فهو والأول سواء". انظر: معجم المقاييس2/ 78، مرجع سابق، ولا شك في تقديم كلام ابن فارس ... -رحمه الله تعالى- من حيث هو فارس هذا الميدان في هذا الشأن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت