فإن اعْتُرِض على التعريف السابق بأنه: يلزمه الدور [1] ، لأنه عَرَّف القرآن بما نقل في المصحف، فإذا سئل عن المصحف قالوا هو القرآن، فتوقف المعرِّف على المعرَّف، وهو الدور ذاته [2] .
والجواب: لا دور ... ذلك لأن المصحف معلوم عرفًا، فلا يحتاج إلى تعريف. وقال التفتازاني -رحمه الله تعالى-:"معرفة المصحف إنما تتوقف على القرآن، بمعنى المجموع المشخص، وهو معلومٌ معهودٌ بين الناس يحفظونه ويتدارسونه، فلا يشتبه عليهم فلا دو" [3] ، ويمكن القول بأن اللام في (المصاحف) للجنس، ولا يضر تعميمه لغير القرآن، لأن القيد الأخير يخرجه للعهد، والمعهود مصاحف القراء [4] .
وقال ابن قدامة:"وقيدناه بالمصاحف لأن الصحابة -رضي الله عنهم- بالغوا في نقله، وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير والنقط لكيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصاحف هو القرآن، وما خرج منه فليس منه؛ إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي على حفظ القرآن أن يُهْمَل بعضه، فلا ينقل، أو يخلط ما ليس منه" [5] .
فإن اعْتُرِض بالقول: لم اقتصر على ذكر النقل في المصاحف تواترًا دون غير ذلك من الخصائص؟.
(1) الدور هو: توقف الشيء على ما يتوقف عليه، وهو نوعان: مصرحٌ، ومضمر، والفرق بين الدور، وبين تعريف الشيء بنفسه هو: أنه في الدور يلزم تقدمه عليها بمرتين إن كان صريحًا، وفي تعريف الشيء بنفسه يلزم تقدمه على نفسه بمرتبة واحدة. انظر: التعريفات ص140، مرجع سابق.
(2) أورد هذا الاعتراض الآلوسي -رحمه الله تعالى- في روح المعاني1/ 19 - 20، مرجع سابق، إرشاد الفحول ص26 مرجع سابق، (المحبوبي) عبد الله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي: التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، 1/ 46، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، ط1، 1416 - 1996م، دار الكتب العلمية - بيروت، (المهدي) أحمد بن يحي بن المرتضى (764 هـ- ت840 هـ) : منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول ط1 1412هـ - 1992م، دار الحكمة اليمانية - صنعاء، (الطبري الزيدي) علي بن صلاح بن علي بن محمد: شفاء غليل السائل عما تحمله الكافل ط1، 1408هـ - 1988م، مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء.
(3) شرح التلويح1/ 46 مرجع سابق.
(4) (ملاجيون) أحمد بن أبي سعيد بن عبيد الله الحنفي الصديقي الميهوي (ت1130هـ) : نور الأنوار وبهامشه كشف الأسرار 1/ 18، ط1 1406هـ- 1986م، دار الكتب العلمية - بيروت.
(5) روضة الناظر 1/ 43، مرجع سابق.