ومن أجل هذا التمرس يعهد لجبريل - عليه السلام - بالمهمات الجليلة، ومنها -بعد الوحي- نقل النبي - صلى الله عليه وسلم - في عالم السماء ليلة الإسراء: فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل - عليه السلام - ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل - عليه السلام - لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل - عليه السلام - قال: هل معك أحد؟ قال: نعم! معي محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرسل إليه؟. قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا ... ) الحديث [1] .
12)حكيم عليم: كما قال - سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} "النمل /6"؛ إذ الأكثر على أنها في نعت جبريل - عليه السلام - فالمعلم المُلْقِي لا يلقي شيئًا إلا بعلمه، وليس دوره دورًا آليًا في النقل، بل يعلمه من حيث الجملة والتفصيل، ويعلمه من حيث الأداء، وأصل اللفظ، كما يتسم بالحكمة التي بها يضع الأمور في مواضعها، ومن ذاك وقت تعليم الألفاظ ومكانه.
فهذه صفات جبريل الخَلْقية والخُلُقية التي تمنحه القدرة الأمينة الدقيقة على تعليم ألفاظ القرآن في وقتها الذي أمر الله - سبحانه وتعالى - به بأمانة ودقةٍ وحسن تأتٍ.
فإن اعتُرض معترض على الاستطراد في ذكر صفات الرسول الذي حمله وليس يرجع ذا إلى لب البحث؛ فالجواب: في ذلك من الحكم:
الثناء على الرسول المُلْقِي للقرآن، والمبلِّغ له إلى الأرض أولًا، وفيه تنويه بالقرآن، وتأكيد لصدقه وعظمته من حيث عظمة من قام بتبليغه ثانيًا، وفيه تأكيد على الصفات التي جعلت هذا الرسول المتحمل أهلًا لأدائه لفظًا وأداء
(1) صحيح البخاري 1/ 300، مرجع سابق.