قريش، بل كانت تلك عادة متأصلة فيهم، فإن الزمن الذي كان يخلو فيه كان شهر رمضان [1] ، وكانت قريش تفعله، كما كانت تصوم عاشوراء، وهم لم ينازعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء، مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكان يعظمونه لجلالته، وكبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله، فكان - صلى الله عليه وسلم - يخلو بمكان جده، وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم [2] .
وهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متوقعًا للوحي بعد ظهور هذه العلامات كما يدل له كلام البلقيني، أم لا لشاهد فزعه، ولقول عائشة-رضي الله تعالى عنها-: فجئه الحق، وأيده النووي ... ؟. قال ابن حجر: الظاهر أن الأولى: ترك الجزم بأحد الأمرين [3] ، ولكن قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} "القصص/86"ظاهرٌ في نفي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوقع شيئًا من الوحي.
المطلب الثاني: التهيئة البشرية للوحي:
فكما أن الله - عز وجل - أمر جبريل - عليه السلام - ومن أعانه من الملائكة بتهيئة النبي - صلى الله عليه وسلم - تهيئة إلهية مما هو خارج عن نطاق القدرة البشرية، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهيئ نفسه ومحيطه تهيئة يلهمها الله - عز وجل - له بطريق من طرق الوحي لكيما يتلقى الوحي الذي يأتيه متتابعًا قرآنًا كان أو غيره وهذه التهيئة نوعان:
أ - التهيئة الذاتية: ويشير إليها ملمحان:
أولهما: معالجته الشدة في تلقي القرآن كما سيأتي في حديث المعالجة [4] ؛ وما تلك المعالجة إلا لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبذله من طاقة
(1) رواه ابن إسحاق كما قال ابن حجر -رحمه الله تعالى-في فتح الباري 12/ 361، مرجع سابق.
(2) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/ 13، مرجع سابق.
(3) انظر: فتح الباري 12/ 356، مرجع سابق.
(4) انظر: الفصل الثالث -المبحث السادس من هذه الدراسة.