وأما كثرة الهم: فلانشغال باله بالسندات ، وتعلقه بالشيكات ، وانصرافه إلى العقارات ، وتفكره في الواردات والصادرات .
وأما دوام الغم: فلحرصه على الزيادة ، وتذكره أولاده وأحفاده ، فتذهب عنه السعادة ، ويشغل عن العبادة . وأحب أبواب العلم إلى التاجر البخيل ، باب الحث على الاقتصاد . وأثقل باب عليه باب الجود والأجواد .
ثم قال: ولا تنس حديث:"ذهب أهل الدثور بالأجور"، فهؤلاء أهل العمل المبرور ، والسعي المشكور ، والتجارة التي لا تبور ، وهم الذين بنوا المساجد ، لكل راكع وساجد ، وأطعموا الفقراء والمساكين ، وأسعفوا البؤساء والمحتاجين ، وبذلوا المال والطعام ، وكفلوا الأيتام ، فهم يجمعون الحسنات كل حين ، وتذكر حديث: (( لا حسد إلا في اثنتين ) ).
قلنا: فما أحسن المكاسب لمن أراد التجارة ، أهو البيع أم الإجارة ؟ أم المنصب والوزارة ؟ أم الزراعة والعمارة ؟
قال: أما البيع فإذا سلم من الغش والكذب ، والخداع واللعب ، فهو أعظم سبب ، لنيل الفضة والذهب:
لا تبع في السوق دينًا غاليًا
واحفظَنْ دينك من نار الكذبْ
وأما المنصب: فنصب ، ووصب ، وتعب
نصب المنصب أوهى جلدي
يا عنائي من مداراة السفل
وأما الإمارة فنعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ، ويعترضها أمور قاصمة:
يسرك أني نلت ما نال جعفر
وأن أمير المؤمنين أغصّني
من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
مغصّهما بالمرهفات البوارد
وأما الزراعة ، فهي لأهل المسكنة والضراعة ، ويجتنبها أهل البراعة ، لأنها تعب وإجهاد ، وصدود عن الجهاد:
إذا زرع القوم النخيل بأرضهم
فزرعك أغلى من نخيل الفضائل
وأما العمارة ، فتارة وتارة ، بين الربح والخسارة ، صادقة غدارة .
يا عامرًا لخراب الدار مجتهدا
بالله هل لخراب الدار عمران