فقال: أخطأتم التقدير ، وخطأ العاقل كبير ، اعلموا أننا قبل الصناعة ، كنا أهل البراعة ، والشجاعة ، والذاكرة اللماعة ، وأهل الأصالة ، والرسالة ، والبسالة .
نحن الذين روى التأريخ قصتهم
ونحن أعظم من في أرضنا ظهرا
أما ترى الشمس غارت من مكارمنا
والبدر في نورنا العلوي قد سهرا
كان العالم قبل وصولنا غابة ، كأن عليه جنابة ، وكانت الدنيا قبل ميلادنا في مأتم ، تشكو وتتألم ، فلما بزغ فجر رسولنا من البطحاء ، أشرقت على نوره الأرض والسماء ، خيام العدل في بلادنا وولد الشرف مع ميلادنا ، مضرب المثل في الكرم من أوطاننا ، وأشجع الناس من ودياننا . نحن بعثنا إلى الدنيا النور ، وأزلنا منها الظلم والجور ، أذنّا في أذن الدنيا فآمنت ، ومشينا على جبالها فتطامنت ، كنا في الجاهلية الجهلاء ، أهل العزة الشماء ، فلما جاء الإسلام كنا الأعلام ، والصفوة الكرام ، شجاعة لو قابلتنا الأسود لهابت ، وعزيمة لو طرحت على الصخور لذابت ، هنا دار الفضائل ، ومنازل القبائل ، عندنا قبلة المصلين ، وكعبة الطائفين ، وملاذ الخائفين ، اختارنا الله لدينه أمناء ، وعلى الأمانة أوصياء ، من دارنا هبّت كتائب الفتوحات ، وسارت قوافل التضحيات ، عندنا محبرة ومقبرة ، محبرة لتقييد العلوم ، وتسجيل نتاج الفهوم ، ومقبرة للغزاه ، والمحاربين الطغاه ، نحن أول من حمل السيف ، وأكرم الضيف ، وأبى الحيف .
أرضنا بدماء الشهداء تفوح ، وقلوبنا بأسرار التوحيد تبوح ، عندنا الذهب الأبيض والأحمر والأسود ، فالأبيض عِلْم ينعش الأحياء ، من الشريعة السمحاء ، والأحمر دماء في عروق الأحرار ، وفي شرايين الأبرار ، والأسود بترول مدفون في الثرى ، يدلف بالحضارة للمدن والقرى .
اندهش الدهر يوم طالع صفحة جلالنا ، وهام الزمان يوم أبصر لوحة جمالنا ، وتعجب كل جيل يوم قرأ مكارم أجيالنا ، وتحطمت جماجم الغزاة على جبالنا .