ولكن هذا لايعني أن السّير الشعبية مؤلفات تؤرخ لأشخاص أو فترات أو أحداث، ولا يعني أيضًا أنها تلتزم بضوابط الصحة التاريخية والتوثيق المنهجي. ويجب ألا ننسى أن السّير الشعبية أعمال فنّية أدبية قصصية تلتزم في المقام الأول، القواعد الفنية القصصية في رسمها للشخصيات، وتحريكها للأحداث ووصفها لمجال حركة هذه الشخصيات والأحداث. وعندما تتعامل السّير الشعبية مع وقائع التاريخ، فإنما تتعامل معها باعتبارها مادة تستعملها وخيوطًا تَجْدلُها مع خيوط أخرى في نولها الفني، حيث يجري على المادة التاريخية مايجري على المواد الأخرى من إعادة التشكيل والصياغة، إلى أن تتسق سائر العناصر الفنية وتتكامل، وفق منظور مُنتجيها ومعاييرهم الجمالية.
نشأتها ونموها. لاتقدم المصادر التاريخية المتاحة حتى الآن إلاّ إشارات مقتضبة، تذكر وجود قصص فيها أسماء مما في بعض السّير الشعبية الحالية، ولكنها لم تورد تفاصيل شافية تُجلّي صورة أي سيرة شعبية في أطوارها الأولى. وربما كان من أقدم الإشارات إلى وجود مصطلح السّيرة مقرونًا بأسماء سير نعرفها إشارة ابن كثير (ت 774هـ) في تفسيره للقرآن الكريم، عندما انتقد رواة سير مثل الأميرة ذات الهمَّة وعنترة. أما أكثر الإشارات تفصيلا فهو ما أورده ابن خلدون (ت 816هـ) من شذرات من سيرة بني هلال مدوّنًا نصوصًا من أشعارها البدوية.