النظام العراقي. ولم يكن عدنان هو الوجه الوحيد فقد تعددت الوجوه والإنتماءات القطرية وكان الهدف واحدا وهو الإنصياع للغرب وتقاسم السلطة مع الشيوعيين.
الآن ونحن في خريف 1994، تتكرر نفس المهزلة في طاجيكستان، ونفس الوجوه الكالحة تدفع بقيادة حزب النهضة الطاجيكية نحو ترك السلاح ومقاسمة السلطة مع الشيوعيين تحت إشراف الأمم المتحدة وأمريكا والسوفييت.
ونسجل هنا أن مجاهدي أفغانستان خاصة قياداتهم الأصولية برهان الدين رباني رئيس الدولة حاليا ومسعود قائد جيشه وسياف رئيس الوزراء الفعلي والمخطط الحقيقي للمهازل السياسية الأفغانية، هم القوى الدافعة الرئيسية لإحباط الجهاد في طاجيكستان وتدجين المنطقة وحراستها ضد التطرف والأصولية، حسبالمصطلحات الأمريكية، أي وقف حركة الجهاد وتكبيل المسلمين وفتح بلادهم أمام تيارات الكفر والإلحاد والزحف اليهودي عليها.
الدين والعرض والمال والقبيلة ثوابت لا يقبل الأفغاني المساس بها ودون ذلك الموت. وكما ذكرنا فإن محمد نور طراقي المنظر الشيوعي ورئيس أول نظام شيوعي في البلاد لم يكن سوى شخص أحمق ولا يتمتع بمزايا رجل الدولة. فقد أصيب بغرور القوة والثقة المطلقة فيها كوسيلة لتطبيق الإيديولوجيا على أرض الواقع مهما كانت العقبات، فأفرط طراقي في إستخدام القوة وأصابه العمى فوطأت قدماه كل المحرمات الأفغانية: الدين والعرض والمال والقبيلة.
فتحدى الدين بفظاظة وأعلن إلغاءه هكذا بقرار وقتل العلماء وطلاب العلم في مجازر هوجاء رهيبة، ودخل ساحة الأعراض بغباء فأعلن تحرير المرأة وضمان حقوقها بالقانون وقوة البندقية.
فأصبح من حق المرأة أن تختار شريك حياتها وتذهب به إلى أقرب قسم شرطة كي يحرر لهم محضر زواج، مثل أي محضر لحادثة سير، وينتهي الأمر. وأي إعتراض من الأهل فإنه يحل فورا بفوهة الرشاش. ويمكن تصور مدى الجرح الذي أصاب كرامة الأفغان بمثل ذلك القانون.
ولقد أدركت عمق ذلك الألم من حادث عاصرته في شهر رمضان) عام 1406 هـ-1986 م (وكان البطل شاب أفغاني إسمه درويش، وكان من الشجعان المعدودين.
ولكنه كان دائم الصمت نادر الإبتسام لا يجد ذاته إلا في المعارك الحامية فيتحول إلى شعلة من نار وعاصفة قتالية، وما سوى ذلك فهو هادئ وحزين.
في مدينة ميرانشاه الحدودية وفي أحد أيام رمضان، إذ المدينة الصغيرة تتحول إلى ساحة قتال و تنتشر الطلقات في كل مكان وتغلق الدكاكين، ويهرع كل إنسان إلى داخل بيته. وكان ذلك حدثا عاديا جدا، ولكن ليس في شهر رمضان. في الليل علمنا أن درويش قد قتل شخصا في السوق.
راعنا الخبر لما نعرفه من دماثة طبعه وهدوئه لقد فر درويش إلى الحدود الأفغانية وألقت سلطات المدينة القبض على أخيه فاروق كرهينة حتى يسلم درويش نفسه"للعدالة".