وقد لاحظنا أن عمليات الحفر سواء كانت لإنشاء مغارات أو خنادق هي من أشق الأعمال على نفس المجاهدين أفغانا وعربا وقليلا ما فعلوها بأنفسهم. فقد كانت من الأعمال المخصصة للأسرى أو الجنود الفارين من خدمة الجيش، حيث يسخرهم المجاهدون لقضاء فترة تجنيد إجبارية في مراكزهم لخدمة المراكز أو لحفر الخنادق والمغارات.
ولم تلبث أن ظهرت فرق المحترفين لأعمال الحفريات وكانت أشبه بشركات مقاولات مصغرة تقوم بالحفر على نظام المقاولة بالقطعة. وأكثر تلك الفرق كانت من أبناء ولاية - وردك- الذين برعوا في ذلك الفن، إلى جانب تنظيم أعمالهم الإدارية وشئونهم العمالية حتى كونوا ما يشبه جيش الحفريات، المكون من مجموعات معظمهم من الأقارب. وجميع المجموعات متعارفة فيما بينها ومتعاونة أيضا.
وفي أيام فتح مدينة خوست، وقبل العمليات بأيام فلتت أعصاب نجيب الله وئيس النظام الشيوعي ووجه حديثا مباشرا إلى تلك المجموعات العاملة في حفريات المجاهدين في خوست وقال لهم:
إن غاراتنا الجوية على مواقع الأشرار في خوست لم تعد تجدي بسبب تلك المغارات القوية التى حفرها أبناء الجرذان من ولاية وردك. وإني أدعوا هؤلاءإلى ترك عملهم في خوست والإنضمام إلينا وسوف ندفع لهم ما يشاءون من الأموال.
ولعلنا ندرك ماذا يعني تحييد قدرة سلاح جو متطور بواسطة عمل بدائي غير مكلف مثل حفر بعض مغارات في الجبل. وماذا يعني السيطرة على مرتفعات ومضائق هامة بواسطة عدد من الخنادق الجيدة. إن الطرف الأضعف عسكريا في حاجة دوما إلي مزيد من الحفريات وقد قال الحكيم الصيني صن تسو منذ أکثرمن ألفي عام: إذا كنت ضعيفا فأحفر عميقا في باطن الأرض وعندما تصبح قويا إهجم من أعلى كأنك عقاب.
ويمكننا القول بأن الحفريات تعيد جزءا من التوازن المفقود بين الضعيف والقوي وكان في أفغانستان برهان جديد لتلك الحقيقة القديمة جدا.
لقاءاتنا الأولى مع السلاح الثقيل لا تنسى. وهو ثقيل بالنسبة لإمكانات النقل والقوة العضلية لدي المجاهدين، وليس بالعرف العسكري التقليدي الذي لم تكن له قيمة كبيرة في أفغانستان.
كانت أول أسلحة شاهدناها قيد الإستعمال هي الأسلحة المضادة للطائرات. وكان أولها في مركز مطيع الله في زيروك وقد شاهدناه في حالة تطفيش لطائرات نفاثة متسكعة قرب المعسكر. وكان مدفعا روسيا من الغنائم عيار 14.5 مم