وما كاد القائد يتحرك إلى مكان آخر حتى بدأت عمليات) الغلول المسلح) وهجمت عصابة غلول على تلك الصيدلية بينما صاحبها واقف إلي جانبها ومعه الرسالة حتى يحمي أمواله.
ولكنهم جذبوه بعيدا مع التهديد، وكسروا أبواب الصيدلية وحملوا صناديق الدواء والرجل يتوسل ويعرض عليهم الرسالة، ثم يعرض عليهم مكافأة مالية، على أن يتركوا الدواء. ولكن ذلك كله لم ينفع، فتقدمنا إلى رئيس العصابة، وكنا ثلاثة أو أربعة من العرب ومعنا مترجم أفغاني، وأفهمنا الزعيم أننا كنا حاضرين عندما حصل صاحب الصيدلية على ضمان لممتلكاته من جانب ذلك القائد الكبير.
فما كان من رئيس العصابة إلا أن خطا إلى الخلف خطوة واسعة وأفرغ مخزن رشاشه من فوق رؤوسنا مباشرة حتى أضطررنا إلي الإنحناء قليلا، وهو يصيح بوحشية والزبد يتطاير من شدقيه:
)الله أكبر ... جهاد في سبيل الله ... زنده باد إسلام (.
ولثوان خطر لي أن أطلق عليه النار وأقتله. كان من السهل القضاءعلى عصابته تماما، فقد كان لنا في لحظتها داخل المدينة مجموعة كبيرة من العرب في أفضل أحوالهم التسليحية والمعنوية، وكانوا يتجهزون منذ أشهر لخوض القتال لفتح المدينة.
ومن فضل الله أني تمالكت أعصابي في ذلك الموقف البائس وإلا لنشبت فتنة ضخمة ضاع فيها المئات داخل المدينة حيث الجميع متوجس من الجميع، وعمليات السطو تمر بتوازن حرج إذا إختل فقد يودي بالجميع.
إنسحبنا بسرعة تفاديا لأي إستفزاز آخر. وعدنا إلى المنازل التي نسكنها، وهي غنائم مؤقتة لنا وإحتسينا الشاي كي نبتلع حسرتنا ونتسلى بكرنفال الإنتصار، وليل أضاءته منذ الغروب الطلقات و القذائف والصواريخ من كل نوع و صنف وهي تغطي كامل سماء المدينة حتى الفجر.
وهي ذخائر كانت في تقديري أكثر من كل ما أنققه المجاهدون في معاركهم الحقيقية.
إنتهت زيارتنا للخط الأول. لم نحضر معارك كبيرة ولكننا قاتلنا في سبيل الله فواق ناقة، وذلك كان عزاؤنا. شعرنا بالحزن ونحن نودع ؤلئك الأبطال في جبال جرديز، ونحن متأكدون أنهم خير منا، بل خير البشر في هذا الزمان تحركنا نحو مركز"سيرانا"تمهيدا لرحيلنا إلى خارج أفغانستان
ومشاعر مدهشة تنتابنا. لقد إكتشفنا عالما بأسره لا يعلم عنه أحد غيرنا، ولا بد أن نبلغ الآخرين أن الأفغان أروع مما تصورنا قبل مجيئنا، لقد أسرنا حب هؤلاء الرجال وتعلقت قلوبنا بهم.