مضى على (فتح كابل) ما يقارب الثلاثون شهرا، وفي هذا المنفى الجبلي في منطقة خوست شرعت في تحقيق حلم قديم هو وضع كتاب عن أفغانستان. وليس هناك أسوأ من هذا التوقيت للكتابة عن أفغانستان. فقد إستدار الزمان وتبدلت المصالح وأسفرت الوجوه عن ملامحها
الأصلية بعد طول تكلف وخداع. وانتهى أحد الفصول الكالحة في لعبة الأمم، تلك اللعبة الشيطانية التي لا تبالي بدين أو دماء. فاز الأقوياء بالغنائم الضخمة، وانتزعوا حتى الفتات من أفواه حلفائهم، ورضى الذين باعوا دينهم بقشور تافهة من حظوظ الدنيا، باعوا بها الدين كما باعوا دماء إخوانهم، وضربوا أمتهم في مقتل وصدموها في عقائدها وآمالها.
مضى الوقت الذي كانت فيه الكتابة عن أفغانستان مشروعا تجاريا ناجحا. طوال عقد الثمانينات كانت أفغانستان هي الحدث الأول على الساحة الدولية وبالتالي الساحة الإسلامية وقرر الغرب بزعامة أمريكا أن يلعب بالورقة الإسلامية لإحراج منافسه السوفييتي.
وأعطيت الأضواء الخضراء كي تنطلق أكبر حملة مساندة في العالم الإسلامي خلال هذا القرن لنصرة الجهاد الأفغاني بالأموال، بدماء الشباب، بالإعلام. وصارت أفغانستان قضية المسلمين الأولى.
وما أن أتم السوفييت إنسحابهم من أفغانستان ثم سقط النظام الشيوعي في كابل بعد ذلك بثلاث سنوات تقريبا، حتى إنقلبت الصورة رأسا على عقب وتبدلت المواقف والتحالفات.
تحول الأعداء إلى أصدقاء، والأصدقاء إلى أعداء، وتحول المجاهد مجرما مطاردا، والمجرمون أصبحوا زعماء مسيطرين وزالت الإيديولوجيات وعم السلام تحت راية القطب الأوحد ولم يتبق للعالم أجمع إلا عدو واحد هو (الأصولية الإسلامية) !!.
وجاءنا نظام (دولي جديد) يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التجارة وينشر الديموقراطية، ولا يرى غير الإسلام عدوا لدودا يهدد طريقته المثلى، و يظهر في الأرض الفساد.
أعلن ذلك النظام البشع عن ميلاده على أرض جزيرة العرب عندما وطأتها أورجل الجيوش النصرانية واليهودية، في الحرب التي أسموها حرب تحرير الكويت.
النصر الذي تحقق على أرض أفغانستان ضد الجيش الأحمر السوفييتي أدى إلى هيمنة أمريكية مطلقة على العالم.
أما على الجانب الإسلامي فقد تحول إلى كارثة إسلامية شاملة، في صورة حرب صليبية دولية ضد الإسلام كان أول من دفع ثمنها هو الشعب الأفغاني نفسه الذي أوقدوا على أرضه حربا حزبية قومية تدمر أول ما تدمر آثار الجهاد