وكانت ليلة عصيبة مرهقة بسبب صديقي ومشايخ الأوقاف. وأخيرا جاء الفرج على يد الشيخ حسن البنا، أقصد الشيخ (عبد البديع صقر(الذي عمل سكرتيرا خاصا للشيخ البنا لمدة عشر سنوات. وكان شخصية محترمة من الجميع، لا يجامل، ذو طابع عملي دؤوب، خرج من مصر عام 1954 م فارا من إعتقالات عبد الناصر للإخوان، ورغم أننا ننتمي إلى محافظة واحدة في مصر إلا أنني لم أتعرف عليه إلا عام 1973 م في دبي. وكنت أكن له إحتراما كبيرا.
تصادف وجوده في المدينة وقت أزمتي تلك فاستشرته فيها، فأشار علي بالذهاب للجهاد بلا تردد وقال:"إذهب يا بني فالجهاد فرض عين، وقاتل مع فتح فربما وجدت بها إسلاميين وإذا قتلت فسوف تبعث على نيتك. ولا تخش بأسا على أولادك فقد رأينا بالتجرب أن أبناء الشهداء يكونون أغنى وأسعد الأبناء".
أخذت نفسا عميقا وكأن صخرة ثقيلة قد إنزاحت من فوق صدري. وإنفتح أمامي طريق مبارك رائع ما زلت أسير فيه منذ سمعت تلك الكلمات المخلصة من الشيخ الحبيب) رحمه الله. (
مع صديقي إسماعيل، بدأنا الرحلة من أبو ظبي، صوب جنوب لبنان. قررنا السفر إلى بيروت منفردين عن غير طريق منظمة التحرير لذلك لم نسجل أسماءنا في مكتبهم في أبو ظبي.
ظننا أن ذلك سيكون أكثر أمنا كما أننا توقعنا أن يتصرفوا فينا كما يشاءون وقد يرسلوننا إلى منظمة شيوعية فتكون مشكلة وكان كلانا ملتحيا بشكل أنيق وعصري.
وأخذ كل منا مبلغا من المال لنشتري سلاحا من بيروت، هكذا قدرنا، فالعاصمة اللبنانية جميع من فيها مسلح ويمكن في تقديرنا شراء سلاح بسهولة. أما التوجه إلى الجنوب فليس من الصعب تدبيره. وهناك سوف نلتحق مباشرة بمراكز الفدائيين.
كانت تصورات ساذجة، لكن هكذا كنا نفكر، فالتجربة نخوضها لأول مرة على أرض بلد لم نره قبلا مع أناس لا نعلم عنهم شيئا تقريبا. وقد تكررت معنا التصورات الساذجة مرات عديدة في السنوات التالية، كما رأينا غيرنا يسقط فيها. وربما يفيد أن نورد بعضها في هذا الكتاب، فقد يفيد ذلك الأجيال التالية في عملها أو في تقييم عمل جيلنا في هذا الزمان.
كنا نحترس من أن تعلم السلطات المصرية بأمرنا فالحكومة هناك بدأت مسيرة السلام، وأصبحت إسرائيل بالنسبة لهم دولة صديقة، هذا إضافة إلى الحساسية التقليدية للنظام المصري من العمل الجهادي خاصة إذا كان ضد اليهود. وتجربة الإخوان في فلسطين كانت نموذجا لسياسة الدولة المصرية في كل العهود الملكي أو الثوري، في مجابهة المجاهدين وتصفيتهم.
وكنا نقدر أيضا أن منظمة التحرير إنما هي ألعوبة للأنظمة العربية وأنها مخترقة بكافة أنظمة الإستخبارات في المنطقة، حتى اليهودية منها. وكانت