الإغتيالات التي حدثت لقادة المقاومة في بيروت وعمليات الكوماندوز الإسرائيلي ضد قواعد الفدائيين في جنوب لبنان شواهد لا تحتاج إلى توضيح على مدى عمق الإختراقات الأمنية للمنظمة.
لهذا تفادينا الإتصال بمكاتب المنظمة وأردنا الوصول إلى الخط الأول مباشرة. كانت المفاجأة الأولى أن الطائرة التي ركبناها كان معظم ركابها من شباب المتطوعين من الفلسطينيين المقيمين في دولة الإمارات وكثير منهم يعرف إسماعيل، وهو شاب رياضي و كابتن فريق للكرة الطائرة وذو علاقات اجتماعية واسعة وبعضهم عرفني. وهكذا وبصفتنا المصريين الوحيدين على الطائرة وأيضا في كل المتطوعين في هذه الأزمة على حد علمنا، فقد كنا موضع حفاوة وإهتمام من الجميع وبدلا من التخفي وجدنا أنفسنا فجأة تحت الأضواء.
مرة أخرى على الحدود السورية اللبنانية في منطقة المعمل إحتجزت المخابرات السورية جميع المتطوعين ونحن معهم واصطحبوا الجميع إلى مبنى ضخم لعدة ساعات تم فيها تصوير كل شخص على حدة، وتحويل) الجوازات (إلى غرفة خاصة لفحصها وتصويرها.
أثار هذا تذمر الشباب، ونمنا الليلة داخل الباص ونحن جلوس على المقاعد في جو درجة حرارته تحت الصفر، وسط الثلوج. ولم تكن معنا ملابس مناسبة ونحن قادمون من مناطق حارة لا تعرف الشتاء تقريبا.
وهمست في أذن إسماعيل بأننا قد أصبحنا في سجلات المخابرات السورية وهذا لا يبشر بخير، ومن الأفضل ألا نفكر في زيارة سوريا مرة أخرى. وبالفعل فقد إكتشف إسماعيل بعد عشر سنوات تقريبا بأن إسمينا قد كتبا متتابعين على قائمة واحدة"سوداء"، وقد أخبره بذلك أقارب زوجته السورية التي تزوجها في وقت لاحق. كان صعبا أن يصدق إسماعيل ذلك في وقتها ومكاتب المنظمة تعمل بحرية في دمشق، والإذاعة السورية لا تمل من الحديث عن الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني. وصلنا دمشق وزرنا مكاتب المنظمة بدون اعتراض من أحد أو حتى تسجيل أسماء أو التقاط صور. وإلى هذا الوقت لا أدري لماذا وضعت المخابرات السورية اسمينا في القائمة السوداء.
وبعد أربعة عشر عامًا من هذه الواقعة وجدت إسمي أيضا في قائمة سوداء لدى السلطات الباكستانية في أعقاب إنتهاء الجهاد في أفغانستان عام 1992 م. ومازلت لا أدري بالضبط الدافع وراء هذا العمل، فلم أرتكب أية جرائم ضد كلا البلدين سوى العبور من أراضيها بطريقة رسمية تمامًا للجهاد في الدولة المجاورة ضد اليهود تارة وضد السوفييت والشيوعيين تارة أخرى.
إن الحكومات (العلمانية) و الوطنية لن تتسامح على الإطلاق مع التحرك الجهادي حتى وإن إلتقت مصالحها معه بشكل مؤقت. إن تصفية العمل الجهادي خاصة، والإسلامي عامة، هو قضية مصيرية بالنسبة لتلك الحكومات، وبنفس القدر الذي تشعر به القوى اليهودية والصليبية.