أما سلوكيات المجاهدين فقد كانت منضبطة للغاية فلم تتفش الجرائم والإستخدامات الخاطئة للسلاح ضد الأهالي وهم مسلحون أيضا خاصة في مناطق الجبال.
وأذكر أنني شاهدت فتاة في سن الشباب تحمل بعض الحطب وتتحرك وسط غابات الجبال الموحشة خلف غنمات لها. وكان معي عصبة من المجاهدين الذين أشاحوا بوجوههم بعيدا عنها، وكتبت لأصحابي في أبو ظبي خطابا به تعليق عن تلك الحادثة البسيطة كان ذلك عام 1981 م وقلت لهم أن المناطق التي يسيطر عليها المجاهدون هي أكثر أمنا من أبو ظبي التي لا يأمن أحدنا أن يترك إبنه أو إبنته أمام باب منزله عدة دقائق خوفا من الخطف والإغتصاب وقتها كانت عدة حوادث من ذلك النوع قد وقعت في الإمارات وللأسف الشديد فإن الحال لم يظل كذلك لفترة طويلة خاصة في مرحلة التدويل واستشراء الفساد في الحركة الجهادية، إنطلاقا من بيشاور وزحفا حتى خطوط التماس.
ذلك الفساد ساعد العدو على النجاح في تطبيق سياسة الأرض المحروقة التي فشل في تنفيذها في سنوات الجهاد الأولى ومثل كل الكوارث التي حلت بالجهاد كانت البداية من بيشاور.
فالأحزاب هناك ساهمت بأكبر نصيب في تفتيت الجهاد وتمزيق صفوف المجاهدين تحت رايات حزبية متنافسة بغير شرف أو شريعة. وقد نال الأهالي لهيب ذلك الخلاف الفوضوي حينما شرعت تلك الجماعات في بسط سلطاتها على الأرض المحررة وسكانها لا من أجل تثبيت السكان وتسهيل حياتهم والدفاع عنهم ولكن من أجل جباية الخراج وتحصيل العشر. واتبعوا في سبيل ذلك وسائلا عنيفة من ضرب وإغتصاب ومصادرة، فوقع الناس بين نارين نار الحكومة الشيوعية ونار المجاهدين المتصارعين الظالمين.
فلجأ الناس إلى الهجرة، وذهب أكثرهم إلى باكستان وبعضهم إلي المدن التي تسيطر عليها الحكومة بشكل كامل. وكانت باكستان أكثر جاذبية حيث تدفقت المعونات على المهاجرين سواء من الهيئات الصليبية أو العربية أو المحسنين العرب.
وكانت النتيجة أن المهاجر يمكنه بقليل من الحيلة أن يحصل على عوائد إقتصادية من هجرته تفوق كثيرا ما كان يحصل عليه من نشاطه الإقتصادي داخل البلده.
فكثيرون سجلوا أنفسهم في أكثر من معسكر للمهاجرين للحصول على معونات مضاعفة، مع دفع شيء من الرشاوي للموظفين الفاسدين من حكومة باكستان.
وكثيرون سجلوا أطفالهم على أنهم أيتام وهم ليسوا كذلك بل سجلوهم في أكثر من مركز وحصلوا على معونات متعددة لقد زادت رقعة الفساد واتسعت حتى غطت معظم الساحة البشرية الأفغانية في المهجر والداخل.
أما من هاجروا داخليا إلى المدن الأفغانية الكبرى فقد تحولوا في أغلبهم إلى جواسيس للنظام الحاكم وتحت إدارة الجهاز الأمني الرهيب"خاد"وهكذا فقد صبت فوضى المجاهدين في نفس مصب سياسة الأرض المحروقة التي نشط